دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩ - الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة
و بكلمةٍ اخرى: أنّ الجزئيّة للواجب من الامور الانتزاعيّة الواقعيّة؛ و إن كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها و بين جزئيّة الجزء للمركّبات الخارجيّة من حيث كونها أمراً انتزاعيّاً واقعيّاً؛ و إن اختلفت الجزئيّتان في وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، و ما دامت الجزئيّة أمراً واقعيّاً فلا يمكن إيجادها بالجعل التشريعيّ و الاعتبار [١].
[١] توضيح ذلك: أنّ (الجزئيّة) ليست من الامور الاعتباريّة البحتة التي يمكن إيجادها بمجرّد الجعل و الاعتبار، بل هي من الامور الانتزاعيّة التي ينتزعها العقل من مناشئ انتزاعها، فلا بدّ من وجود منشأ انتزاعٍ لها مسبقاً في عالمٍ من العوالم حتّى يمكن انتزاعها منه، و هذا المنشأ تارةً يكون في عالم الخارج، كما في المركّبات الخارجيّة، حيث لا يصدق عنوان الجزئيّة على كلّ جزء منها إلّا بعد وجود ذلك المركّب في عالم الخارج. و اخرى يكون منشأ انتزاعها في عالم التشريع الاعتباري للوجوب، كما في الواجبات المركّبة من أجزاء، حيث لا يصدق عنوان الجزئيّة على كلّ جزءٍ منها إلّا بعد وجود ذلك المركّب في عالم التشريع بجعل الوجوب له من قبل المولى. و هذا يعني أنّ الواجبات المركّبة- كالصلاة مثلًا- ما لم تدخل مسبقاً في عالم التشريع بجعل الوجوب لها من قبل الشارع لا يمكن أن ينتزع منها عنوان (الجزئيّة) لكلّ جزءٍ من أجزائها، لأنّها بحاجة إلى منشأ الانتزاع، و إذا ادخلت في العالم المذكور بجعل الوجوب لها كفى ذلك لانتزاع عنوان (الجزئيّة) لكلّ جزء من أجزائها، و لا معنى حينئذٍ لجعلها من قبل المولى بجعل تشريعي مستقلّ.
و هذا البيان بمجموعه يشكّل وجهاً واحداً للبرهنة على امتناع كون الجزئيّة مجعولةً من قبل المولى بالاستقلال، و لا ينبغي إرجاعه إلى وجهين كما صنعه بعض الأفاضل