دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤١ - الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة
و الجواب على هذه الشبهة: أنّ الأحكام الوضعيّة التي تعود إلى القسم الأوّل اعتبارات ذات جذورٍ عقلائيّة [١]؛ الغرض من جعلها تنظيم
[١] لا يخفى أنّ مجرّد كون هذه الأحكام الوضعيّة ذات جذور عقلائيّة لا يكفي جواباً على الشبهة المذكورة ما لم نعرف الغرض من جعلها، إذ ما لم يترتّب غرضٌ معقول على جعلها- مستقلّاً عن جعل أحكامها التكليفيّة- لا موجب لمتابعة الشارع تبارك و تعالى لديدن العقلاء في جعلهم لهذه الأحكام. و لهذا لم يجعل السيّد الشهيد (رحمه الله) هذا البيان جواباً مستقلّاً عن الشبهة المذكورة- كما صنعه بعض الأفاضل- بل إنّما ذكره توطئةً لبيان الغرض من جعل تلك الأحكام، و هو تنظيم الأحكام التكليفيّة و تسهيل صياغتها التشريعيّة، فإنّ هذا الغرض عقلائي قبل أن يكون شرعيّاً.
توضيح ذلك: أنّنا لو افترضنا وجود أسباب عشرة للملكيّة مثلًا، و كانت هناك أحكام تكليفيّة عشرة أيضاً تترتّب على الملكيّة، سواء كانت تلك الأسباب و تلك الأحكام من قبل الشارع تبارك و تعالى أو من قبل العقلاء، فحينئذٍ على فرض إلغاء عنوان الملكيّة يضطرّ المولى الشرعي أو العقلائي أن يعدّد جميع تلك الأسباب لبيان كلّ واحد من تلك الأحكام التكليفيّة، فيقول مثلًا: إنّ ما حصل عليه الإنسان بالحيازة، أو بالإرث، أو بالشراء، أو ... جاز له التصرّف فيه. ثمّ يكرّر نفس هذه الأسباب عند بيان الحكم التكليفي الثاني كحرمة تصرّف الغير بدون رضاه، و كذلك عند بيان الحكم التكليفي الثالث، و هكذا. في حين أنّ بإمكانه أن يلخّص بيان تلك الأسباب بجعل حكمٍ وضعي واحد بعنوان (الملكيّة) ثمّ يكتفي بتكرار هذا العنوان عند بيان كلّ واحد من تلك الأحكام التكليفيّة، و بهذا تنتظم الأحكام التكليفيّة و تسهل صياغتها التشريعيّة