دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٠ - شبهة التضادّ و نقض الغرض
الواقعية غير واصلة- كما يقتضيه جعل الحكم الظاهريّ في موردها- فلا امتثال لها و لا متطلّبات عملية؛ لأنّ استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول و التنجّز.
و لكن نتساءل [١]: هل يمكن أن يجعل المولى وجوباً أو حرمةً لملاكٍ
[١] حاصل هذا التساؤل: أنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) لمّا رأى أنّ المصلحة العامّة الملحوظة في الأحكام الظاهريّة- و هي مصلحة الحفاظ على النسبة الغالبة من ملاكات الأحكام الواقعيّة- لا تتواجد في متعلّقات الحكم الظاهري بحسب كلّ موردٍ مورد، ادّعى أنّ هذه المصلحة إذاً في الجعل، و لكن هل يقصد بذلك أنّ مصبّ هذه المصلحة عبارة عن مجرّد صدور الجعل الاعتباري من المولى بحيث لا يهتمّ المولى بعد ذلك بحصول متعلّقات هذا الجعل في الخارج؟ أو يقصد به ما يستدعي اهتمام المولى- على كلّ حال- بتحصيل تلك المتعلّقات؟
فإن كان المقصود هو الأوّل- كما هو حال المولى الذي ينتظر مكافأةً على مجرّد صدور الجعل الاعتباري منه و لا يهتمّ بعد ذلك بتحقّق ما أمر به في الخارج- لزم عدم وجوب امتثاله عقلًا، و هو تفريغ له عن حقيقة الحكم.
و إن كان المقصود هو الثاني لزم أن تكون المصلحة في تحقّق متعلّقات هذا الجعل في الخارج لا في مجرّد الجعل، و بهذا ترجع مشكلة التضادّ بين مبادئ الحكم الظاهري و مبادئ الحكم الواقعي.
و تمام الإشكال ينشأ من توهّم ضرورة وجود ملاك للحكم الظاهري إمّا بحسب متعلّقاته الجزئيّة في كلّ موردٍ مورد، أو بحسب جعله الكلّي الشامل لجميع الموارد، و لكنّ السيّد الشهيد (رحمه الله) ينكر ضرورة ذلك و يقول: إنّ مصلحة الحفاظ على النسبة الغالبة من الملاكات الواقعيّة- أو على ما هو الأهمّ من الملاكات الواقعيّة بتعبيرٍ أدقّ- ليست مصلحةً مستقلّةً عن نفس مصالح الأحكام الواقعيّة حتّى نبحث عن أنّها كامنة في نفس جعل الحكم الظاهري أو في متعلّقاته، و إنّما هي نداءٌ و دعوةٌ من قبل نفس المصالح الواقعيّة التي تدعو إلى تعميم حكمها عند الشكّ، فيكون الحكم الظاهري ناشئاً من نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة التي تستدعي الحفاظ عليها عند الشكّ و لو بالعمل على طبقها في إطار أوسع من واقعها المعلوم عند اللَّه- كما سيأتي توضيحه في المتن- و هذا لا يعني كون المصلحة في الجعل، و لا كون المصلحة في متعلّقات الحكم الظاهري بحسب كلّ موردٍ مورد، بل إنّما يعني أنّ ملاك الحكم الظاهري هو الملاك الكامن في متعلّقات قسم من الأحكام الواقعيّة، و إن كان الحكم الظاهري أوسع منه، و لا بدّ من العمل به في ذلك الإطار الأوسع حتّى يضمن به الحفاظ على ملاك ذاك القسم من الأحكام الواقعيّة، على شرح و تفصيل قادمين في المتن