دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٢ - شبهة التضادّ و نقض الغرض
في نفس الوجوب أو الحرمة؟ [١] و لو اتّفق حقّاً أنّ المولى أحسّ بأنّ من مصلحته أن يجعل الوجوب على فعلٍ بدون أن يكون مهتمّاً بوجوده إطلاقاً، و إنّما دفعه إلى ذلك وجود المصلحة في نفس الجعل، كما إذا كان ينتظر مكافأة على نفس ذلك من شخص، و لا يهمّه بعد ذلك أن يقع الفعل أو لا يقع، أقول: لو اتّفق ذلك حقّاً فلا أثر لمثل هذا الجعل، و لا يحكم العقل بوجوب امتثاله [٢]. فافتراض أنّ الأحكام الظاهرية ناشئة
[١] أي في جعلهما
[٢] و قد ينقض على ذلك بالأوامر الامتحانيّة، بدعوى أنّ ملاكها في ذات الجعل لا في المتعلّق، و رغم ذلك يحكم العقل بوجوب امتثالها.
و الجواب أنّ الأوامر الامتحانيّة ليس ملاكها في مجرّد الجعل الاعتباري الصادر من المولى، ضرورة أنّ غرض الامتحان لا يحصل بمجرّد صدور هذا الجعل، بل إنّ ملاكها كامن في أداء الفعل الذي تعلّق به الأمر حتّى يحصل به التمييز بين المطيع و العاصي، نعم إنّ هذا الملاك منوط بالعنوان الثانوي لذلك الفعل، و هو عنوان كونه مأموراً به من قبل المولى، و ليس في ذات الفعل ملاك بعنوانه الأوّلي- أي بقطع النظر عن تعلّق الأمر به- و هذا لا يعني أنّ المصلحة في الجعل، بل إنّ المصلحة في الفعل المعنون بعنوان كونه مأموراً به من قبل المولى، إذ لو لا تعنونه بهذا العنوان لما حصل به غرض الامتحان، و هو يتعنون بهذا العنوان بمجرّد صدور الأمر به من قبل المولى، و بذلك يتلبّس الفعل بالملاك و يترتّب عليه وجوب الطاعة عقلًا.
نعم قد تجري في الأوامر الامتحانيّة نكتة اخرى تؤدّي إلى أن لا يكون المطلوب الأصلي ذات ذلك الفعل، كما إذا كان الأمر متعلّقاً من أوّل الأمر- بحسب المراد الجدّي- بمقدّمات ذلك الفعل لا بذاته، أو كان متعلّقاً بذات الفعل ثمّ طرأ عليه النسخ قبل الامتثال بناءً على إمكان ذلك، أو غير ذلك من النكات التي قد تثار في تفسير قصّة إسماعيل (عليه السلام)، و ليس شيء منها نقضاً على ما ذكرنا من أنّ الحكم المتعلّق بفعل من الأفعال لو كان ملاكه في جعله الاعتباري الصادر من المولى فحسب لا في ذلك الفعل الذي تعلّق به الجعل لما كان يجب امتثاله عقلًا أبداً