دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤١ - تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة
و جواب هذا الاعتراض: أنّ النهي عن العمل بالظنّ ليس نهياً تحريميّاً، و إنّما هو إرشاد إلى عدم حجِّيته، إذ من الواضح أنّ العمل بالظنّ ليس من المحرَّمات النفسية، و إنّما محذوره احتمال التورّط في مخالفة الواقع، فيكون مفاده عدم الحجّية، فإذا كانت الحجّية بمعنى اعتبار الأمارة عِلماً فهذا يعني أنّ مطلقات النهي تدلّ على نفي اعتبارها علماً، فيكون مفادها في رتبة مفاد حجِّية الأمارة [١]، و بهذا تصلح لنفي
[١] توضيح ذلك: أنّ إشكال التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة إنّما يرد في المقام بناءً على كون مفاد دليل (حجّية الأمارة) و مفاد (النهي عن العمل بغير علم) طوليّين في الرتبة، بمعنى أنّ حجّية الأمارة تنفي موضوع النهي عن العمل بغير علم بمثل الحكومة أو الورود، حتّى يصبح الشكّ في حجّية أمارةٍ مساوقاً للشكّ في موضوع ذلك النهي، و بالتالي يصبح التمسّك بهذا النهي تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقيّة.
و أمّا إذا افترضنا أنّ مفادي هذين الدليلين عرضيّان و ليسا طوليّين، بمعنى أنّ دليل حجّية الأمارة لا ينفي موضوع النهي عن العمل بغير علم، بل إنّما يثبت حكماً على الأمارة الظنّية، و الدليل الآخر ينفي نفس ذلك الحكم عنها بدلالته الإطلاقيّة، فتكون النسبة بينهما نسبة الخاصّ إلى العامّ، لا نسبة الحاكم إلى المحكوم، فحينئذٍ سوف لا يكون الشكّ في حجّية أمارةٍ مساوقاً للشكّ في موضوع ذلك النهي، و إنّما يكون مساوقاً للشكّ في وجود المخصّص، و في مثل ذلك يجوز التمسّك بالعام كما هو واضح.
و لكي نعرف أنّهما طوليّان بالمعنى المذكور أو هما عرضيّان، لا بدّ و أن نتأمّل في المعنى المراد بالنهي عن العمل بغير علم. فإن كان هذا النهي تحريميّاً يراد به الحرمة التكليفيّة للعمل بغير علم، أمكن دعوى الطوليّة بينهما بالبيان السابق، و أمّا إذا كان هذا النهي إرشاديّاً إلى عدم حجّية كلّ دليل غير علمي- كما هو الصحيح- فسيكونا عرضيّين لا طوليّين، و ذلك لأنّ الحجّية إن كانت بمعنى جعل الظنّ علماً فسيكون عدم الحجّية- الذي هو المرشد إليه بهذا النهي- بمعنى عدم جعل الظنّ علماً. و هذا يعني أنّ الدليل الدالّ على حجّية أمارة من الأمارات غير العلميّة يريد أن يجعل صفة العلميّة و الكاشفيّة التامّة لتلك الأمارة، و دليل النهي عن العمل بغير علم يريد أن ينفي جعل تلك الصفة لكلّ دليل غير علمي بما فيه تلك الأمارة، فتكون النسبة بينهما نسبة الخاصّ إلى العامّ لا نسبة الحاكم إلى المحكوم، فيكون الشكّ في الحجّية راجعاً إلى الشكّ في ثبوت المخصّص، و ليس راجعاً إلى الشبهة المصداقيّة حتّى لا يصحّ التمسّك فيه بالعامّ