دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٩ - تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة
و نضيف إلى ذلك: أنّ بالإمكان إقامة الدليل على عدم حجّية ما يشكّ في حجِّيته، بناءً على تصوّرنا المتقدِّم للأحكام الظاهرية، حيث مرّ بنا [١] أنّه يقتضي التنافي بينها بوجوداتها الواقعية، و هذا يعني أنّ البراءة عن التكليف المشكوك و حجّية الخبر الدالّ على ثبوته حكمان ظاهريان متنافيان، فالدليل الدالّ على البراءة دالّ بالدلالة الالتزامية على نفي الحجِّية المذكورة [٢]، فيؤخذ بذلك ما لم يقم دليل أقوى على الحجّية [٣].
و قد يقام الدليل على عدم حجّية ما يشكّ في حجِّيته من
[١] تحت عنوان: التنافي بين الأحكام الظاهريّة
[٢] و ليس ذلك من التمسّك بالدلالة الالتزاميّة للأصل العملي- حتّى يقال: إنّ مثبتات الاصول العمليّة غير حجّة- بل إنّما هو من التمسّك بالدلالة الالتزاميّة لدليل الأصل العملي- مثل حديث الرفع- و هو من الأدلّة المحرزة التي قالوا بحجّية مثبتاتها
[٣] و هذا بخلاف ما إذا بنينا على أنّ التنافي بين الأحكام الظاهريّة ليس بلحاظ وجوداتها الواقعيّة بل بلحاظ عالم الوصول لاقتضاء كلّ منهما موقفاً عمليّاً منافياً للآخر، كما هو مقتضى نظريّة السيّد الخوئي (رحمه الله) التي تقول: إنّ ملاك الحكم الظاهري كامن في جعله و ليس كامناً في متعلّقه- كما سبق نقل ذلك عنه في بحث الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي- فإنّه بناءً على ذلك لا تنافي بين جعل حكمين ظاهريّين في مسألة واحدة ما لم يبلغا معاً إلى المكلّف، لأنّ ملاك كلّ منهما في جعله فلا يجتمع الملاكان على مركز واحد حتّى يقع التنافي بينهما، و بالتالي سوف لا تنعقد دلالة التزاميّة للحكم الظاهريّ الواصل على نفي الحكم الظاهريّ الآخر المحتمل