دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٠ - تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة
الأمارات بما اشتمل من الكتاب الكريم على النهي عن العمل بالظنّ و غير العلم [١]، فإنّ كلّ ظنٍّ يشكّ في حجِّيته يشمله إطلاق هذا النهي [٢].
و قد اعترض المحقّق النائينيّ [٣]- (قدّس اللَّه روحه)- على ذلك: بأنّ حجِّية الأمارة معناها جعلها عِلماً؛ لأنّه بنى على مسلك جعل الطريقية، فمع الشكّ في الحجِّية يشكّ في كونها علماً، فلا يمكن التمسّك بدليل النهي عن العمل بغير العلم حينئذٍ؛ لأنّ موضوعه غير محرز [٤].
[١] كقوله تعالى: «إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً» و قوله تعالى: «وَ لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»
[٢] و أمّا الظنون التي ثبتت حجّيتها شرعاً كالظنّ الناشئ من خبر الثقة أو الناشئ من الظهور فقد خرجت عن الإطلاق المذكور بأدلّتها الخاصّة
[٣] أجود التقريرات ٣: ١٤٨
[٤] توضيح ذلك: أنّ مطلقات النهي عن العمل بالظنّ موضوعها (الظنّ) أو (عدم العلم) و الأمارة على فرض حجّيتها تخرج عن كونها ظنّية أو غير علميّة، و تتحوّل إلى كونها علميّة- و لو بالجعل و الاعتبار- بناءً على مسلك جعل الطريقيّة.
و حينئذٍ لو دلّ الدليل على حجّية أمارةٍ، أصبح هذا الدليل حاكماً على دليل النهي عن العمل بغير العلم، لأنّه يرفع موضوعه بالجعل و الاعتبار. و أمّا إذا شككنا في حجّية أمارةٍ فسيكون شكّنا هذا مساوقاً للشكّ في أنّ تلك الأمارة هل جعلها الشارع علماً أو لا، و هذا يعني الشكّ في تحقّق موضوع أدلّة النهي عن العمل بغير علم، و بالتالي يكون التمسّك بتلك الأدلّة رغم الشكّ في موضوعها تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، مثل التمسّك بدليل (أكرم كلّ فقير) لإثبات وجوب إكرام زيد، مع فرض الشكّ في كونه فقيراً أو غير فقير، و هذا واضح البطلان