دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٧ - المعاني الحرفيّة
و ليس المراد بالخاصِّ هنا الجزئيّ بمعنى ما لا يقبل الصدق على كثيرين [١]؛ لأنّ النسبة كثيراً ما تقبل الصدق على كثيرين بتبع كلّيّة
[١] أرى من الضروري- قبل الحديث عن أنّ المعنى الحرفي هل يقبل الصدق على كثيرين أو لا يقبل الصدق إلّا على فرد واحد- أن نتكلّم شيئاً حول أصل صلاحيّة المعنى الحرفي للانطباق على الخارج بقطع النظر عن الوحدة و الكثرة، إذ قد يقع الإشكال في أصل إمكان انطباق المعنى الحرفي على الخارج و حكايته عنه و لو على مستوى فرد واحد فضلًا عن أفراد كثيرة.
و حاصل الإشكال: أنّا عرفنا سابقاً أنّ المعنى الحرفي مصداق حقيقي للربط، و هو متقوّم ذاتاً بطرفيه، و كلّما تبدّل طرفاه ذاتاً أو موطناً تبدّل ذلك المصداق الحقيقي للربط بمصداق حقيقي آخر يختلف عن المصداق الأوّل ذاتاً، و هذا يعني أنّ النسبة الظرفيّة بين النار و الموقد الموجودة في ذهن المتكلّم تشكّل مصداقاً حقيقيّاً مختلفاً ذاتاً للمصداق الذي تشكّله النسبة الظرفيّة الموجودة بينهما في ذهن السامع، و مختلفاً ذاتاً أيضاً للمصداق الذي تشكّله النسبة الظرفيّة الموجودة بينهما في عالم الخارج. و حينئذٍ كيف يمكن للنسبة الظرفيّة الموجودة في ذهن المتكلّم أو في ذهن السامع أن تكون منطبقةً على النسبة الظرفيّة الموجودة في عالم الخارج و حاكيةً عنها؟ فإنّها إن لوحظت في عالم الذهن بما هي متقوّمة بطرفيها لم يمكن حكايتها عن المصداق الخارجي المغاير لها ذاتاً، و إن لوحظت مجرّدةً عن طرفيها لم يبقَ في عالم الذهن مصداق حقيقي للنسبة و إنّما تتحوّل إلى صورة ذهنيّة عن النسبة بوصفها جامعاً عرضيّاً بين تلك المصاديق، و هو من المعاني الاسميّة الخارجة عن محلّ الكلام.
و قد أجاب استاذنا الشهيد (رحمه الله) عن هذا الإشكال في البحث الخارج (بحوث في علم الاصول ١: ٢٤١) بما حاصله أنّ انطباق المعنى الحرفي على الخارج و حكايته عنه يختلف اختلافاً نوعيّاً عن انطباق المعنى الاسمي عليه، فالمعنى الاسمي يكفي في انطباقه على الخارج و حكايته عنه أن يُلاحظ باللحاظ التصوّري الأوّلي الذي يفنى في الخارج و يخيّل للإنسان أنّ ما في ذهنه عين الواقع الخارجي، و لهذا يصفه بالأوصاف المناسبة للوجود الخارجي، فيقول مثلًا: النار حارّة، أو محرقة، أو غير ذلك من الصفات الخاصّة بالوجود الخارجي للنار. و أمّا المعنى الحرفي المتقوّم ذاتاً بالطرفين فيكون انطباقه على الخارج بتبع طرفيه، بمعنى أنّ الإنسان حينما يلحظ طرفي النسبة القائمة في ذهنه بين النار و الموقد مثلًا باللحاظ التصوّري الأوّلي الذي يفنى في الخارج فيتجسّد له النار و الموقد الخارجيّان، فسيُخيّل له أنّ النسبة القائمة بين هذين الطرفين أيضاً هي النسبة القائمة بين الوجودين الخارجيّين، إذ لا تغاير بين النسبة القائمة في الذهن و النسبة القائمة في الخارج إلّا باختلاف طرفيهما، فإذا اتّحد الطرفان الذهنيّان مع الطرفين الخارجيّين باللحاظ التصوّري الأوّلي اتّحدت النسبة الذهنيّة أيضاً مع النسبة القائمة في الخارج تبعاً لطرفيها، و بذلك يرى الإنسان النسبة القائمة في الخارج بين النار و الموقد و تتمّ الحكاية عنها بالمعنى الحرفي