دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٩ - المعاني الحرفيّة
طرفيها [١]، بل [المراد] كون الحرف موضوعاً لكلّ نسبةٍ بما لها من
[١] و يظهر توضيح ذلك في ضوء ما شرحناه في التعليق السابق من أنّ أصل انطباق المعنى الحرفي على الخارج و حكايته عنه قائم على أساس التبعيّة لطرفيه، إذ من الطبيعي حينئذٍ أنّه متى ما كان الطرفان صالحين للانطباق على أفراد كثيرة أو أحوال كثيرة في عالم الخارج فسيكون المعنى الحرفي أيضاً صالحاً للانطباق على النسبة القائمة في عالم الخارج بين ذينك الطرفين بما لهما من أفراد و أحوال.
و مثاله قول القائل: «احبّ النارَ في الموقد» فإنّ كلّاً من النار و الموقد قابل للانطباق على كثيرين من حيث الأفراد و الأحوال في عالم الخارج، و بمقتضى التبعيّة التي شرحناها ستكون النسبة الظرفيّة الملحوظة بينهما على نحو المعنى الحرفي قابلةً للانطباق أيضاً على جميع النسب الظرفيّة التي يمكن قيامها في عالم الخارج بين النار و الموقد مهما اختلفت أفرادهما و أحوالهما.
و قد تكون للنسبة القائمة بين شيئين في عالم الخارج أحوال مختلفة بقطع النظر عن اختلاف أحوال طرفيها، فالنسبة الظرفيّة القائمة في عالم الخارج بين النار و الموقد مثلًا قد تكون في حال النهار، و قد تكون في حال الليل، و قد تكون في حال قدوم زيد، و قد تكون في حال عدم قدومه، إلى غير ذلك، فإنّ اقتران هذه النسبة الظرفيّة مثلًا بهذه الامور يشكّل أحوالًا مختلفةً لها، و هي صالحة للتأثير في غرض المتكلّم أو المولى بقطع النظر عن اختلاف حال طرفيها بسبب الاقتران بنفس هذه الامور أو بغيرها، فهل أنّ المعنى الحرفي القائم في ذهن المتكلّم بين مفهومي النار و الموقد يكون قابلًا للانطباق على النسب الظرفيّة القائمة في عالم الخارج مهما اختلفت أحوالها حتّى بقطع النظر عن اختلاف حال طرفيها؟ أو أنّ انطباق المعنى الحرفي على المصاديق الخارجيّة يختصّ بالمصاديق الحاصلة له عن طريق تعدّد مصاديق الطرفين و تغايرها من حيث الأفراد أو الأحوال، دون المصاديق الحاصلة له عن طريق اختلاف حال نفس النسبة في عالم الخارج بقطع النظر عن طرفيها؟
و الجواب: أنّ المعنى الحرفي بعد أن أصبح قابلًا للانطباق على مصاديق النسبة القائمة في عالم الخارج- ببركة ملاحظة طرفيه باللحاظ التصوّري الأوّلي الذي يُخيّل لنا اتّحاد الصورة الذهنيّة مع الخارج، و بالتالي يُخيّل لنا اتّحاد النسبة القائمة في الذهن مع النسب القائمة في الخارج- سيكون صالحاً حينئذٍ للانطباق على جميع المصاديق الخارجيّة لتلك النسبة مهما اختلفت أحوالها ما لم تخرج عن إطار ذينك الطرفين، فالمتكلّم حينما يقول: «النار في الموقد» يمكنه أن يرى من خلال النسبة الظرفيّة القائمة في ذهنه بين مفهومي النار و الموقد كلّ مصداق من مصاديق النسب الظرفيّة القائمة في عالم الخارج بين النار و الموقد، ما دام الطرفان قابلين للرؤية من خلال مفهومي النار و الموقد الملحوظين باللحاظ التصوّري الأوّلي. و اختلاف حال هذه النسبة في عالم الخارج بالخصائص غير الدخيلة في لحاظ الطرفين لا يمنع عن إمكان انطباق المعنى الحرفي عليها ما دام الطرفان الخارجيان داخلين في إطار الملحوظ باللحاظ التصوّري الأوّلي لطرفي المعنى الحرفي.
و هذا هو معنى ما جاء في المتن من قوله (رحمه الله): «فجزئيّة المعنى الحرفي جزئيّة بلحاظ الطرفين لا بلحاظ الانطباق على الخارج»