دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٦ - المعاني الحرفيّة
عَرَضيٍّ مشير، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له خاصّاً [١].
[١] لا شكّ أنّ استعمال الحرف في معناه النسبيّ و الربطيّ استعمال حقيقيّ مبتنٍ على الوضع مهما تغايرت أطراف تلك النسبة، فمثلًا استعمال كلمة (في) في معنى النسبة الظرفيّة استعمال حقيقي سواء وقعت في جملة (العصفور في القفص) أو في جملة (النار في الموقد) أو في جملة (زيد في الدار) أو في غيرها من الجمل، و قد سبق أنّ النسبة تتغاير بتغاير طرفيها، فالنسبة الظرفيّة في المثال الأوّل مغايرة عنها في المثال الثاني، و هي مغايرة عنهما في المثال الثالث، و هكذا. و على هذا الأساس يقع الكلام في أنّ هذه النسب الظرفيّة- مثلًا- هل هي معانٍ حقيقيّة متعدّدة لكلمة (في) على حدّ تعدّد المعنى الحقيقي في المشترك اللفظي، أو أنّها مصاديق متعدّدة لمعنىً حقيقيّ واحد و هو الجامع بين تلك النسب على حدّ تعدّد مصاديق المعنى الواحد في المشترك المعنوي مثل كلمة (الرجل) التي قد يقصد بها (زيد) و قد يقصد بها (عمرو) و قد يقصد بها (بكر) إلى غير ذلك، بالرغم من أنّ المعنى الموضوع له واحد و هو عبارة عن الجامع بين هذه المصاديق.
و من خلال الأبحاث الماضية يظهر صحّة الافتراض الأوّل القائل بأنّ هذه النسب الظرفيّة معانٍ حقيقيّة متعدّدة لكلمة (في) بحيث تكون هذه الكلمة موضوعة لكلّ نسبة من هذه النسب بالخصوص لا للجامع بينها، و ذلك لأنّ افتراض كونها موضوعةً للجامع بين تلك النسب إن قصد به وضعها للجامع العرضي الذي هو عبارة عن نفس مفهوم (النسبة الظرفيّة) مثلًا، كان ذلك مخالفاً لما مضى من إيجاديّة المعاني الحرفيّة بمعنى كونها عين حقيقة نفسها، فإنّ مفهوم (النسبة الظرفيّة) ليس نسبةً و ربطاً بالمعنى الحقيقي- كما سبق- بل إنّما هو صورة ذهنيّة عن النسبة فهو إذاً معنىً اسميّ و ليس معنىً حرفيّاً، و إن قصد به وضعها للجامع الحقيقي بين تلك النسب ورد عليه ما سبق من استحالة انتزاع الجامع الحقيقي بين النسب المتعدّدة. و النتيجة أنّ كلمة (في) مثلًا ليست موضوعةً للجامع بين النسب الظرفيّة، فيتعيّن أن تكون موضوعةً لكلّ نسبةٍ من تلك النسب بالخصوص.
و بعد هذا يقع الكلام في كيفيّة وضعها لكلّ نسبةٍ من النسب الظرفيّة، فإنّ مصاديق النسب الظرفيّة كثيرة جدّاً فهل يمكن للواضع أن يجلس و يكرّر عمليّة الوضع بعدد تلك المصاديق؟
و الجواب: أنّ بإمكان الواضع أن يستخدم في عمليّة الوضع ذلك الجامع العرضي، فإنّه و إن كان معنىً اسميّاً لكنّه يمكن استخدامه كعنوان مشير إلى تلك النسب الظرفيّة التي هو جامع عرضيّ لها، فيشير من خلاله إلى تلك النسب و يضع اللفظ لها من دون حاجة إلى استحضار تلك النسب بالتفصيل، و هذا يعني أنّ الوضع في باب الحروف عامٌّ و الموضوع له خاصّ