بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٧ - الوجه الثاني ممّا استُدل به على عدم الحجية هو السُنّة،
و لكن جاء في كتاب تعارض الأدلة، ترجيح الاحتمال الثاني، لأنّ الأمر بطرح ما خالف الكتاب ظاهر في توجيه المكلف نحو العمل بالكتاب، و هذا إنّما يناسب فرض حجيّة الكتاب لو لا الخبر المخالف، أمّا أخذ قيد إضافي، و هو تمامية مقتضى الحجية رغم الخبر المخالف، فبحاجة إلى إعمال مئونة زائدة مفقودة في المقام.
و التحقيق رغم ذلك كلّه هو، الالتزام بحجية الأخبار المخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص المطلق، و ذلك: لأنّ هذا الحديث مخصّص بصحيحة الراوندي، و هي التي رواها الراوندي بسند تام عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قال الصادق (عليه السّلام) إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف كتاب الله فردّوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه [١].
فإنّ الظاهر من هذه الصحيحة، أنّ كل واحد من الحديثين بقطع النظر عن التعارض- كان حجّة، و إلّا لما كان التعارض موجباً للتحير، و لم تكن حاجة إلى تحكيم الكتاب، و أخبار العامّة و رفع التحيّر بذلك كما هو ظاهر الصحيحة، فقد دلّت هذه الصحيحة على حجيّة الخبر المخالف للكتاب بالجملة، بغض النظر عن خبر آخر معارض له، و هي لا تدل على أزيد من حجيّة الخبر المخالف للكتاب بالأخصية و ما يشبهه مما يصلح للقرينة، و لا تشمل مثل المخالفة بالعموم من وجه، إمّا لأنها قضية مهملة، إذ ليست بصدد بيان الحجيّة حتى يكون لها إطلاق، و المهملة في قوة الجزئية، فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن و هو ما ذكرناه.
[١] () الوسائل: ج ١٨ باب ٩ من صفات القاضي ح ٢٩ ح ٨٤.