بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣ - الوجه الأوّل الكتاب الكريم
أمّا الآية الأولى، و هي قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فهذه الآية قد ورد النهي فيها عن اقتفاء ما لا يكون علماً، لا عن العمل بما لا يكون علماً، و فرق بينهما.
و توضيحه: أنّ الاقتفاء عبارة عن الاتباع، و جعله سنداً و معولًا عليه بحيث يكون هو الداعي نحو العمل و المحرك نحوه، فيقال مثلًا: فلان يقتفي فلاناً، بمعنى أنّ المتبوع هو الذي يحرك التابع، حينئذٍ هنا، الآية تريد أن تقول: إنّ غير العلم ليس أساساً متيناً للتعويل عليه و جعله عروة و محركاً للإنسان، فإن الإنسان لا يجوز له أن يجعل من الظن أساساً و محركاً لعمله الذي هو معنى الاقتفاء، و هذا مطلب عقلي عقلائي صحيح، و لا ينافي ذلك مع حجيّة الظنّ في بعض الأمور، فإنّه في مورد حجية الظنّ، الإنسان و إن عمل بالظنّ، لكن ليس المحرّك له هو الظنّ، و إنّما المحرك له هو العلم بحجيّة هذا الظنّ، ففي الموارد التي يقوم فيها الدليل على حجيّة بعض الظنون، فهنا يصدق أنّ المكلّف عمل بالظنّ لكن ليس هو المحرك، أي ليس عمله بمقتضى آمرية نفس الظنّ بما هو، بل عمله بمقتضى أمرية حجيّة الظن، فلو كان مفاد الآية هو النهي عن العمل بالظنّ و تطبيق مفاده، فحينئذٍ لا بأس بالاستدلال بالآية، لأنّ هذا تطبيق لمفاد الظنّ، و تكون الآية ناهية عنه، لكن الآية لم تنهَ عن ذلك، بل نهت عن اقتفاء الظنّ و جعله سنداً و محركاً، و من الواضح أنّه في موارد القطع بحجيّة الظنّ، السند و المحرك إنّما هو القطع بحجيّة الظنّ لا نفس الظنّ، فيكون دليل الحجيّة وارداً على هذا النهي، لأنّه رافع لموضوعه حقيقة، لأنّه يجعل القطع هو المقتفى لا الظنّ، وعليه: فالآية لا تدلّ على نفي حجيّة الظن، بل متى ما وجد دليل على حجية الظن كان رافعاً لموضوعها.
و نفس الشيء يُقال عن الآية الثانية، و هي قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ*