بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١ - حجية الخبر
أمّا في التأليف الأول للطبيعة فلا يمكن أن نستعمل فيه ذلك، لأنه لا تكرار في الطبيعة، لأنه لا يوجد عدّة طبائع و أكوان، فهذا التأليف الأول للكون ليس له سوابق، إذاً، فإجراء الدليل هنا خطأ، لأنه غير معتمد على الاستقراء.
و هذه المناقشة قد انحلت على ضوء تفسيرنا المنطقى لهذا الدليل، لأنه يتضح أنّ الدليل الاستقرائي ليست كاشفيته بلحاظ التكرار بما هو تكرار، و إنما أبرزنا جوهر الكاشفية، فصحيح أنّ" قرص الأسبرو" بالتكرار ثبت كونه علّة للشفاء، لكن هذا التكرار إنما أوجب ذلك باعتبار أنه كان مادة لتشكيل علم إجمالي، و كان هذا العلم الإجمالي يبرهن بجلّ قيمه الاحتمالية على العلية، فإذا اكتشفنا أنّ التكرار إنما يفيد توليد علم إجمالي كثير الأطراف، و حينئذٍ، فإذا كان عندنا من أول الأمر علم إجمالي كثير الأطراف كما هو الحال بالنسبة للطبيعة و الكون، فإنّ العلم الإجمالي من أول الأمر كثير الأطراف، فنتيجة التكرار حاصلة، و هي العلم الإجمالي، و هو جوهر الكاشفية، فإنّ العلم الإجمالي بعدد صور الصدفة العمياء مثلًا، هذه الصور كلها باستثناء صورة واحدة تستبطن وجود فاعل حكيم ما عدا الصورة الواحدة.
فالقضية المتواترة من مصاديق الشكل الثاني للقضية التجريبية، يعني: يراد بها إثبات العلة، لا إثبات عليّة الموجود.
و الحاصل: هو أنّ الفكر الأوروبي أورد شبهات كثيرة على دليل إثبات الصانع كما بينّاه، نقتصر على أهمها، و هي دعوى أنّ هذا الدليل الاستقرائي على إثبات الصانع إنما يتم في العلوم الطبيعية التجريبية لوقوع التكرار فيها، و أمّا في عالم الطبيعة، فنحن لم نعاصر عوالم متعددة متكرّرة كعالمنا و نجد لكل منها خالقاً لكي نستنتج ذلك في حق عالمنا أيضاً.