الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨ - تأويل آية
إنما كلّفتم أىّ بقرة شئتم، و ما يستحق اسم بقرة، و قد فرّطتم فى ترك الامتثال، و أخطأتم فى الاستفهام، مع وضوح الكلام، إلاّ أنكم قد كلّفتم ثانيا كذا و كذا، لأن هذا مما يجب عليه بيانه؛ لإزالة الشك و الإبهام و اللبس؛ فلما لم يفعل ذلك، و أجاب بالجواب الّذي ظاهره يقتضي التعلّق بالسؤال علم أن الأمر على ما ذكرناه. وهب أنه لم يفعل ذلك فى أول سؤال، كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة و الاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها؟و مع تكرر المعصية و التفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلّقة بسؤالاتهم؟لأنهم يسألونه/عن صفة شيء فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان؛ بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلّق الجواب بالسؤال؛ لأنّ قول القائل فى جواب من سأله ما كذا و كذا: إنه بالصفة الفلانية صريح فى أن الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه؛ هذا مع قولهم: إن البقر تشابه علينا، لأنهم لم يقولوا ذلك إلا و قد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، فلم لم يقل: أىّ تشابه عليكم إذ إنما أمرتم فى الابتداء بأىّ بقرة كانت، و فى الثانى بما اختص باللون المخصوص من أى البقر كان؟
فإن قيل: كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام و لا يبين ذلك لهم، و هل هذا إلا تكليف ما لا يطاق!
قلنا: لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة فى الثانى من حال الخطاب؛ و لو كانت حال الفعل حاضرة لما جاز أن يتأخر البيان، لأن تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الّذي لا شبهة فى قبحه، و إنما أراد أن يذبحوها فى المستقبل، فلو لم يستفهموا و يطلبوا البيان لكان قد ورد عليهم عند الحاجة إليه.
فإن قيل: إذا كان الخطاب غير متضمّن لصفة ما أمروا بذبحه، فوجوده كعدمه، و هذا يخرجه من باب الفائدة، و يوجب كونه عبثا!
قلنا: ليس يجب ما ظننتم؛ لأن القول و إن كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة؛ و لو لم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب، لصار مفيدا من حيث ذكرنا،