الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٥ - مسألة
لا يوصفون على الإطلاق بأن اللّه تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنهم آمنوا فى الماضى لا يمنع من الردّة فى المستقبل؛ و قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته.
و أما حمل ذلك على من ظلم ثم تاب فهو غير صحيح؛ لأنّ من تاب لا يوصف بعد التوبة بأنه ظالم لنفسه؛ لأن التوبة تمنع من إجراء ألفاظ الذم.
و وجدت بعضهم يتأوّل هذه الآية على أن المراد ب ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ من جهد نفسه فى العبادة و حمل عليها؛ و قال: هذا يليق بأوصاف الأنبياء عليهم السلام، و لا تمنع النبوّة منه.
و هذا أيضا غير صحيح؛ لأنا قد بينا أن لفظة ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ يذمّ بها فى التعارف، فكيف تجرى على المدح!و من هذا الّذي يسمى من جهد نفسه فى العبادة بأنّه ظالم نفسه بالإطلاق!
على أن السابق إلى الخيرات هو المجتهد فى العبادة، الحامل على نفسه فيها، فأىّ معنى للتكرار؟و هذا تأويل يفسد القسمة، و هذه الجملة توضّح أن التأويل الصحيح ما قدمناه.
فأما قوله تعالى اَلْكِتََابَ فالظاهر أنه كناية عن القرآن المنزّل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؛ فقد صارت هذه اللفظة بالإطلاق عبارة عنه؛ و لهذا إذا أطلق القائل فقال:
هذا ينطق به الكتاب، و محرّم فى الكتاب، و ورد فى الكتاب لم يفهم منه إلا ما ذكرناه.
و معنى أَوْرَثْنَا يعنى علمه و فوائده و أحكامه؛ و ليس يليق ذلك بالأنبياء المتقدمين؛ فإنه لا حظّ لهم فى علم هذا الكتاب؛ و إنما يختص بهذه الفائدة نبيّنا عليه السلام و الأئمة من ولده عليهم السلام؛ لأنهم المتعبّدون بحفظه و بيانه، و العمل بأحكامه.
و ذلك كلّه واضح بحمد اللّه و منّه.