الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٠ - تأويل آية
على وقوع الفعل المنهىّ عنه؛ لأنه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ و لا يواقعه، أ لا ترى أن النبىّ عليه السلام نهى عن الشّرك و سائر القبائح؛ كما نهينا، و لم يدلّ ذلك على وقوع شيء مما نهى عنه منه!
و هذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأولين إذا قيل له: أ فوقع منه عليه السلام تلاوة القرآن على أمته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهى عنه؟
و يمكن من اعتمد على الوجه الأول فى تأويل الآية أن يقول فى قوله تعالى: لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و إن كان ظاهره النهى ليس بنهى على الحقيقة؛ و قد يرد ما هو بلفظ النهى و هو غير نهى على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر و ليس بأمر؛ و إنما ذلك تخفيف عنه عليه السلام و ترفيه، و رفع كلفة المشقة، فقيل له عليه السلام: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإن اللّه تعالى يكفيك هذه المئونة، و يعينك عن حفظه و ضبطه؛ كما قال تعالى فى الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ ؛ أى جمعه فى حفظك و تأمورك [١] .
و بعد؛ فإن الأولى التوقف عن معرفة غاية الكلام التى ينتهى إليها، و يقطع عليها.
و التلاوة لما يرد منه الأوّل فالأول؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلق الكلام بعضه ببعض؛ فندب عليه السلام إلى الأول من التوقف على غايته [٢] .
و أما الوجه الثانى الّذي اعتمد فيه على أنّ النهى إنما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة فى التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهى عليه السلام عن ذلك؛ لأنّ المصلحة فى خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ و إن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلا مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت الخطاب؛ و إنما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
[١] التامور: القلب.
[٢] حاشية ف: «التوقيف على علته» .