الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٩ - تأويل آية
قالوا: و معنى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به: قبل أن يقضى إليك وحى بيانه، و تفسير معناه؛ لأن لفظة «القضاء» و إن كانت على وجوه معروفة فى اللغة، فهى هاهنا بمعنى الفراغ و الانتهاء إلى الغاية؛ كما قال تعالى: فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ؛ [فصلت: ١٢].
و كما قال الشاعر:
و لمّا قضينا من منى كلّ حاجة # و مسّح بالأركان من هو ماسح [١]
أى فرغنا من حاجاتنا، و انتهينا إلى غاية الوطر منها.
فأما الجواب الثالث الزائد على ما ذكر فهو أنه غير ممتنع أن يريد: لا تعجل بأن تستدعى من القرآن ما لم يوح إليك به؛ فإن اللّه تعالى إذا علم مصلحة فى إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله، و لم يدّخره عنك؛ لأنه لا يدخر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم.
فإن قيل على هذا الوجه: إنه يخالف الظاهر؛ لأنه تعالى قال: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و لم يقل بطلبه و استدعائه، و الظاهر يقتضي أن الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره.
قلنا: الأمر على ما ظنه السائل. و على الوجوه الثلاثة فى تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس فى الظاهر؛ لأن على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إما على سبيل الدرس و التحفّظ على ما ذكر فى الوجه الأول، و أن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان. و أىّ فرق فى مخالفة الظّاهر؛ بين أن يقدّر: و لا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدر: لا تعجل بطلب القرآن و استدعاء نزوله؟
فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبي عليه السلام فى استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهى لا يكون إلا عن قبيح.
قلنا: النهى لا يكون إلا عن قبيح لا محالة؛ لكن النهى لا يدلّ
[١] البيت ينسب لكثير؛ و انظر الجزء الأول ص...