الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٤ - مسألة فى تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام
فإن قيل: و من أين أنّه أمرهم بالسجود على جهة التقديم و التعظيم؟
قلنا: لا يخلو تعبّدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة و الجهة من غير أن يقترن به تعظيم و تقديم، أو يكون على ما ذكرناه.
فإن كان الأوّل لم يجز أنفة إبليس من السجود و تكبّره عنه؛ و قوله: أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ، [الإسراء: ٦٢]. و قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ؛ [ص: ٧٦].
و القرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به و التكرمة، فلو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يردّه اللّه تعالى عنه، و يعلمه أنّه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له و لا تفضيله؛ بل على الوجه الآخر الّذي لا حظّ للتفضيل فيه؛ و ما جاز إغفال ذلك، و هو سبب معصية إبليس و ضلالته؛ فلما لم يقع ذلك دلّ على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل و التعظيم. و كيف يقع شكّ فى أنّ الأمر على ما ذكرناه؛ و كلّ نبىّ أراد تعظيم آدم عليه السلام، و وصفه بما اقتضى الفخر و الشرف و نعته بإسجاد الملائكة له؛ و جعل ذلك من أعظم فضائله؛ و هذا مما لا شبهة فيه.
فأمّا اعتماد بعض أصحابنا فى تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة فى طاعة الأنبياء عليهم السلام أكثر و أوفر من حيث كانت لهم شهوات فى القبائح، و نفار عن الواجبات فليس بمعتمد؛ لأنّا نقطع على أنّ مشاق الأنبياء أعظم من مشاقّ الملائكة فى التكليف؛ و الشكّ فى مثل ذلك واجب، و ليس كلّ شيء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه. و نحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ من أن تكون عليهم مشاقّ فى تكليفهم، و لو لا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم. و التكليف إنما يحسن فى كلّ مكلّف تعريضا للثواب؛ و لا يكون التكليف شاقّا عليهم إلا و تكون لهم شهوات فيما حظر عليهم، و نفار عما أوجب.
و إذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاقّ الأنبياء عليهم السلام أكثر من