الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٧ - مسألة
فإن قيل: كيف قولكم فيما مضى و تقضّى من الأفعال و وصفتموه بأنه ماض لتقضّيه و عدمه؛ أ يجوز أن يكون مستقبلا على وجه من الوجوه، أ و لا يكون من الأفعال مستقبلا إلاّ ما لم يدخل فى الوجود قطّ؟
قلنا: أمّا ما عدم و تقضّى من الأعراض المقطوع على أنها غير باقية فى نفوسها، كالإرادات [١] و الأصوات و ما أشبه ذلك؛ فلا شبهة فى أنّ الماضى منه لا يصحّ أن يكون مستقبلا من فعل قديم أو محدث.
فأما [٢] ما يبقى من أجناس الأعراض عند من قطع على بقائها، أو شكّ فى حالها بين جواز البقاء عليها و نفيه فنحن لا نقدر على إعادته؛ و القديم تعالى قادر على إعادته إلى الوجود؛ فهذا الضّرب من فعله تعالى لا يمتنع تسميته بأنه مستقبل، لأنه متوقّع منتظر.
فأما الجواهر المعدومة فلا شبهة فى أنّها ماضية من حيث عدمت، و مستقبلة من حيث كان وجودها مستأنفا متوقّعا؛ لأنّ اللّه تعالى لا بدّ من أن يعيد المكلّفين للثواب أو العقاب، و المكلّف إنما هو مؤلّف من الجواهر.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يجتمع فى الشيء الواحد أن يكون ماضيا مستقبلا؛ و هذا كالمتناقض.
قلنا: لا تناقض فى ذلك؛ لأن الجوهر الماضى يستحق الوصف بأنه ماض إذا عدم، و كذلك العرض الماضى من أفعال اللّه تعالى إذا عدم؛ و إن جاز من حيث صحّ وجود ذلك مستأنفا أن يوصف بأنه مستقبل، لأن معنى المستقبل هو المعدوم الّذي يصح وجوده، فلا تنافى بين الأمرين.
و لو ثبت بينهما عرف فى أنّهما لا يجتمعان-و ذلك ليس بثابت-لجاز أن يجعل حدّ المستقبل هو المعدوم الّذي يصحّ وجوده مستقبلا؛ من غير أن يكون الوجود حصل [٣] له فى حالة من الأحوال؛ فلا يلزم على ذلك أن يجتمع الوصفان فى فعل واحد.
[١] ط: «كالإدراكات» .
[٢] ط: «و أما» .
[٣] ط. «مستحصل له» .