الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١١ - تأويل آية
و ماء كلون الغسل قد عاد آجنا # قليل به الأصوات فى بلد محل [١]
وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّه # خليع خلا من كلّ مال و من أهل [٢]
فقلت له: يا ذئب هل لك فى فتى # يواسى بلا منّ عليك و لا بخل؟
فقال: هداك اللّه للرّشد!إنّما # دعوت لما لم يأته سبع قبلى
فلست بآتيه و لا أستطيعه # و لاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل [٣]
فقلت: عليك الحوض إنّى تركته # و فى صغوه فضل القلوص من السّجل [٤]
فطرّب يستعوى ذئابا كثيرة # و عدّيت، كلّ من هواه على شغل [٥]
***
و روى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب، فأبصره مقعيا يصيء و مع الفرزدق مسلوخة، فرمى إليه بيد فأكلها، فرمى إليه بما بقى فأكله؛ فلما شبع ولى عنه فقال:
و ليلة بتنا بالغريّين ضافنا # على الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس [٦]
تلمّسنا حتى أتانا و لم يزل # لدن فطمته أمّه يتلمّس
[١] قال البغدادى: «كان النجاشىّ عرض له ذئب فى سفر له، فدعاه إلى طعام و قال له: هل لك ميل فى أخ-يعنى نفسه-يواسيك فى طعامه بغير من و لا بخل؟فقال له الذئب: قد دعوتنى إلى شيء لم يفعله السباع قبلى من مؤاكلة بنى آدم، و هذا لا يمكننى فعله، و لست بآتيه و لا أستطيعه؛ و لكن إن كان فى مائك الّذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقنى منه. و هذا الكلام وضعه النجاشىّ على لسان ذئب؛ كأنه اعتقد فيه أنه لو كان ممن يعقل أو يتكلم لقال هذا القول. و أشار به إلى تعشقه للفلوات التى لا ماء فيها، فيهتدى الذئب إلى مظانه فيها» و الغسل: ما يغسل به من سدر و نحوه، و الآجن: الماء المتغير الطعم.
و فى المعانى «كلون البول» .
[٢] الخليع: الّذي خلعه أهله لجناية و تبرءوا منه.
[٣] البيت من شواهد الرضى على أن حذف النون من «لكن» لالتقاء الساكنين ضرورة؛ تشبيها بالتنوين أو بحرف المد و اللين من حيث كانت ساكنة. و أورده سيبويه فى باب ضرورة الشعر (الكتاب ١: ٩) و قال الأعلم: «حذف النون لالتقاء الساكنين ضرورة لإقامة الوزن؛ و كان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين، شبهها فى الحذف بحرف المد و اللين؛ إذا سكنت و سكن ما بعدها؛ نحو يغزو العدو، و يقضى الحق، و يخشى اللّه» .
[٤] الصغو: الجانب المائل؛ و ضبطت فى الأصل بالفتح و الكسر معا، و السجل: الدلو العظيمة.
[٥] التطريب: ترجيع الصوت و مده.
[٦] ديوانه: ٤٨٥، و حماسة ابن الشجرى ٢٠٨. أطلس: أغبر تعلوه حمرة.