الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٠ - تأويل آية
كان فى ذريته من يفسد و يسفك الدماء. فعلّم آدم عليه السلام أسماء جميع الأجناس، أو أكثرها [١] ثم قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ مقررا لهم و منبها على ما ذكرناه، و دالا على اختصاص آدم بما لم يخصّوا به. فلما أجابوه بالاعتراف و التسليم إليه علم الغيب الّذي لا يعلمونه، فقال تعالى لهم أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: ٣٣]منبّها على أنه تعالى هو المنفرد بعلم المصالح فى الدين، و أن الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره، و يعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم فى دينهم؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه.
و على هذا الجواب يكون قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ محمولا على كونهم صادقين فى العلم بوجه المصلحة فى نصب الخليفة، أو فى ظنهم أنهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة، و يكملون له؛ فلو لا أن الأمر على ما ذكرناه، و أنّ القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم و إقرارهم: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معنى، لأن التكليف الأول لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه السلام بالأسماء، و لا يكون قوله: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إلى آخر الآية إلاّ مطابقا لما ذكرناه من المعنى؛ دون معنى التكليف؛ فكأنه قال تعالى: إذا كنتم لا تعلمون هذه الأسماء، فأنتم عن علم الغيب أعجز؛ و بأن تسلموا الأمر لمن يعلمه و يدبّر أمركم بحسبه أولى.
فإن قيل: فكيف علمت الملائكة بأن فى ذرية آدم عليه السلام من يفسد فى الأرض، و يسفك الدماء؟و ما طريق علمها بذلك؟/و إن كانت غير عالمة فكيف يحسن أن تخبر عنه بغير علم!
قلنا: قد قيل إنها لم تخبر و إنما استفهمت؛ فكأنها قالت متعرفة: أ تجعل فيها من يفعل كذا و كذا.
[١] م: بعد هذه الكلمة: «و قيل أسماء محمد صلى اللّه عليه و آله و الأئمة من ولده و سلم، و فيه أحاديث مروية» .