الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧١ - تأويل آية
و قيل: إن اللّه تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرّية هذا المستخلف من يعصى و يفسد فى الأرض: فقالت على وجه التعرف لما فى هذا التدبير من المصلحة و الاستفادة لوجه الحكمة فيه: أ تجعل فيها من يفعل كذا و كذا؟
و هذا الجواب الأخير يقتضي أن يكون فى أول الكلام حذف و يكون التقدير: و إذ قال ربّك للملائكة إنّى جاعل فى الأرض خليفة، و إنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها، و يسفك الدماء، فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى: قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ لأن ذلك دلالة على الأول؛ و إنما حذفه اختصارا.
و فى جملة جميع الكلام اختصار شديد، لأنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ كان فى ضمن هذا الكلام: فنحن على ما نظنه و يظهر لنا من الأمر أولى بذلك لأنا نطيع و غيرنا يعصى.
و قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ يتضمن أيضا أننى أعلم من مصالح المكلّفين ما لا تعلمونه، و ما يكون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور.
و فى القرآن من الحذوف العجيبة، و الاختصارات الفصيحة ما لا يوجد فى شيء من الكلام؛ فمن ذلك قوله تعالى فى قصة يوسف عليه السلام و الناجى من صاحبيه فى السجن عند رؤيا البقر السمان و العجاف: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ؛ [يوسف: ٤٥]، [١] ففعلوا، فأتى يوسف، فقال له [١] : يُوسُفُ أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ ؛ [يوسف: ٤٦][و لو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون ففعلوا، فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أفتنا [٢] ].
و مثله قوله فى الأنعام، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ ؛ [الأنعام: ١٤]: أى، و قيل لى: و لا تكونن من المشركين.
[١] ساقط من م.
[٢] تكملة من ف.