الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧ - تأويل آية
ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال فى التكليف الأخير: إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الأرض و لا تسقى الحرث، مسلّمة لا شية فيها، [١] صفراء فاقع لونها، و لا فارض و لا بكر [١] . و منهم من قال: إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدم.
و ظاهر الكتاب بالقول/المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، و ذلك أنه تعالى لما كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ ، فلا يخلو قولهم: مََا هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التى أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعى ذلك.
و ليس يجوز أن يكون [٢] سألوا عن صفة غير التى تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم مََا هِيَ بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ و لأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ و إذا صحّ أن السؤال إنما كان عن صفة البقرة المنكّرة التى أمروا فى الابتداء يذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، و ليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأن ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: مََا هِيَ يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم، و لأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شيء فأجابهم عن غيره، و هذا لا يليق بالنبى عليه السلام.
على أنه لما أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم فى الأول على ما يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم، و ينكر عليهم الاستفهام فى غير موضعه، و تفريطهم فيما أمروا به؛ مما لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه، فيقول فى جواب قولهم: مََا هِيَ :
(١-١) حاشية الأصل: «ش: صفراء فاقعا لونها، و لا فارضا و لا بكرا» .
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : أن يكونوا» .