الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٤ - مسألة
يقتضيان أن لفظة ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ فى الآية تقتضى الذم، لأنها بإزاء المقتصد.
على أنه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم فى عرف الاستعمال، كما أن عند مخالفنا أن لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن» ، لأنهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن و لا يسمّونه بأنه مؤمن، و يزعمون أن الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنما هو فى مؤمن دون آمن، فلا ينبغى أن ينكروا مثل ذلك فى ظلم و ظالم.
و تأول قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره اللّه تعالى للتكليف، و توريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثم قسّمهم الأقسام التى تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء عليهم السلام.
و هذا الجواب يفسد، لأن اللّه تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا ، و من اصطفاه اللّه و اختاره و اجتباه بالإطلاق لا يكون إلا ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحق الذم و العقاب؟و من يختار اللّه تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إن اللّه تعالى اصطفاه. و المعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى:
وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضىََ ؛ [الأنبياء: ٢٨]، على أن المراد من ارتضى الشفاعة فيه، و يقولون: من ارتضى شيئا يتعلق به لا يوصف بأنه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.
و وجدت أبا قاسم البلخىّ يقول فى كتابه تفسير القرآن: "إنه تعالى أراد العقلاء البالغين و يجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثم ظلم بعضهم نفسه؛ فيكون كما قال تعالى:
يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ؛ [المائدة: ٥٤]؛ و هو فى وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون فى حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين". قال: "و يجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثم تاب و أصلح؛ و يكون قوله: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ ، أى منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنه فى هذا الوقت ظالم لها".
هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ و هذا فاسد؛ لأن من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح