الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٠ - مسألة
الجواب، و باللّه التوفيق:
اعلم أن المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلة عليه من نفى و إثبات؛ فإذا دلت الأدلّة على أمر من الأمور وجب أن نبنى كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ و نسوقه إليه، و نطابق بينه و بينه، و نجلّى ظاهرا إن كان له، و نشرط إن كان مطلقا، و نخصّه إن كان عاما، و نفصّله إن كان مجملا؛ و نوفّق بينه و بين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة و آل إلى المطابقة؛ و إذا كنا نفعل ذلك و لا نحتشمه فى ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك فى أخبار آحاد لا توجب علما؛ و لا تثمر يقينا!فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة و ابنها عليها؛ و افعل فيها ما حكمت به الأدلة، و أوجبته الحجج العقلية؛ و إن تعذّر فيها بناء و تأويل و تخريج و تنزيل؛ فليس غير الاطراح لها، و ترك التعريج عليها؛ و لو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر و يتفكر.
و قد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضدّ الثناء على اللّه و بذم أوليائه، و نقص أصفيائه معناه ذمّ متخذيها و مرتبطيها، و أنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس و اتخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على اللّه تعالى، و يذمّون أولياءه و أحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، و هو لمتخذيها أو مرتبطيها؛ للتجاوز و التقارب، و على سبيل التجوز و الاستعارة؛ كما أضاف اللّه فى القرآن السؤال إلى القرية؛ و إنما هو لأهل القرية، و كما قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً. `فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً ؛ [الطلاق: ٨، ٩]؛ و فى هذا كلّه حذوف. و قد أضيف فى الظاهر الفعل إلى من هو فى الحقيقة متعلّق بغيره؛ و القول فى مدح أجناس من الطير، و الوصف لها بأنها تنطق بالثناء على اللّه تعالى و المدح لأوليائه يجرى على هذا المنهاج الّذي نهجناه.
فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، و مرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح و الذم بذلك؟