الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٨ - مسألة فى العصمة
قلنا: نقول ذلك مضافا و لا نطلقه؛ فنقول: إنه معصوم من كذا، و لا نطلق فنوهم أنه معصوم من جميع القبائح، و نطلق فى الأنبياء و الأئمة عليهم السلام العصمة بلا تقييد؛ لأنّهم عندنا لا يفعلون شيئا من القبائح، بخلاف ما يقوله المعتزلة من نفى الكبائر عنهم دون الصغائر.
فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فألاّ عصم اللّه تعالى جميع المكلّفين، و فعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح؟
قلنا: كلّ من علم اللّه تعالى أنه له لطفا يختار عنده الامتناع من القبائح؛ فإنه لا بدّ أن يفعل به؛ و إن لم يكن نبيا و لا إماما؛ لأنّ التكليف يقتضي فعل اللّطف على ما دلّ عليه فى مواضع كثيرة؛ غير أنّه لا يمتنع أن يكون فى المكلّفين من ليس فى المعلوم أنّ شيئا متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح؛ فيكون هذا المكلّف لا عصمة له فى المعلوم و لا لطف. و تكليف من لا لطف له يحسن و لا يقبح؛ و إنما القبيح منع اللّطف فيمن له لطف؛ مع ثبوت التكليف.
فأما قول بعضهم: إن العصمة هى الشهادة من اللّه تعالى بالاستعصام فباطل؛ لأن الشهادة لا تجعل الشيء على ما هو به؛ و إنما تتعلق به على ما هو عليه؛ لأنّ الشهادة هى الخبر، و الخبر عن كون الشيء على صفة لا يؤثر فى كونه عليها؛ فنحتاج أولا إلى أن يتقدم لنا العلم بأنّ زيدا معصوم أو معتصم؛ و نوضّح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعد مطابقة لهذا العلم؛ و هذا بمنزلة من سئل عن حدّ المتحرّك فقال: هو الشهادة بأنه متحرّك؛ أو المعلوم أنه على هذه الصفة.
و فى هذا البيان كفاية لمن تأمّله.