الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٢ - مسألة
و من قال: إنها دخلت للتوكيد يجب أن يكون مراده ما قصدناه و شرحناه؛ لأن التوكيد متى لم يكن تحته فائدة كان دخوله عبثا.
و هذا الكلام الّذي بسطناه فى تأمّله فوائد كثيرة؛ و كان السبب فيه أن بعض من قرئ عليه كلام حكايته فى وصف كتابين: «و وجدت فيهما من التغلغل و التوصّل إلى مكامن الارتجاف، و مغابن الإسعاف، لا تطرق فجاجها، و لا يفتح رتاجها، و لا يمرّ بشعابها، و لا يلمّ بأبوابها... » ؛ و أطال الكلام، و لم يأت بما يرجع إلى قوله: «من التغلغل» [١] .
و هذا من الحذف الّذي حسّنه طول الكلام، و دلالة ما فيه على المحذوف؛ لأنّ التقدير:
و وجدت فيه من التغلغل الكثير؛ فاستغنى عن ذكره بالمفهوم من الكلام؛ كما استغنى بالمحذوف التى ذكرناها فى القرآن و الشعر بما فى معنى الكلام، و عدّ ذلك فصاحة و بلاغة. و كم بين أن يفهم المعنى و يلحظ من غير لفظ صريح، و بين أن يأتى فيه لفظ مصرّح فى البلاغة و الفصاحة!
و قد كنت أمليت قديما مسألة أوضحت فيها أنّ التأكيد لا بدّ فيه من فائدة، و خطّأت من ذهب إلى خلاف ذلك، و بيّنت أنّ كلّ موضع ادّعى فيه أنّه للتأكيد من غير فائدة مجددة فيه فائدة مفهومة؛ و أن قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اَللََّهِ مَتََاباً ؛ [الفرقان: ٧١] ما ورد هذا المصدر للتأكيد على ما يقوله قوم؛ بل لفائدة مجدّدة؛ لأنه تعالى أراد متابا جميلا مقبولا واقعا فى موقعه، فحذف ذلك اختصارا؛ كما يقول العربىّ الفصيح فى الشعر المستحسن:
هذا هو الشعر، و الفرس الممدوح: هذا هو الفرس؛ و إنما حذف الصفة اختصارا؛ و المراد هذا هو الشعر المستحسن، و الفرس الكريم؛ و مثله قوله تعالى: وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسىََ تَكْلِيماً ؛ [النساء: ١٦٤]إنه أراد الفضل و المدح. و قال قوم: بل سمع كلامه من غير واسطة؛ و لا متحمّل له.
[١] بعد هذه الكلمة فى ف إشارة إلحاق، كتب إلى جانبها كلمة «تبلد» ، مقرونة برمز «صح» ؛ و ليس هنا ما يقتضي إثباتها.