الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٧ - تأويل آية
فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألاّ جعلتم مِنْ الثانية هى الزائدة، و يكون تقدير الكلام: و ننزّل من السماء جبالا من برد!
قلنا: ليس يشبه البرد فى نزوله الجبال على وجه و لا سبب؛ و السّحاب المتراكم يشبه الجبال، و قد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، و تكون الأخيرة زائدة؛ و إلاّ بقيتا بلا مفعول؛ و لأنه تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ ؛ و هذه كناية عن البرد لا الجبال؛ لأنه لو كنّى عنها لقال: فيصيب بها؛ و لأنّ الجبال على التأويلات التى حكيناها كلّها منزّل منها، لا منزّلة.
فإن قيل: ألاّ كان المفعول محذوفا مقدّرا؛ و كأنه قال: و ننزّل من جبال برد فى السماء بردا؛ و الكلام يقتضيه؟
قلنا: إنما نقدّر مفعولا محذوفا فى الموضع الّذي لا نجد فيه مفعولا ظاهر، و قد بيّنّا أنّ فى الآية مفعولا ظاهرا، فيجب صرف الكلام إليه. على أنّه لا بدّ من مفعول؛ إما ظاهرا و هو الّذي أشرنا إليه، أو محذوفا على ما تضمّنه السؤال؛ لا سيّما و فى الكلام كناية عنه فى قوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ ، و ما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية-على اختلافهم و ذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب فى آيات القرآن-تعرّض لذكر المفعول، و لا قال: إنه ظاهر و لا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. و هذا على كل حال تقصير ظاهر.
فأما قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ فالمراد به: فيصيب بضرره من يشاء، و يصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا و يتعدّى ما يجاورها و يلاصقها.