الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٠ - مسألة
مسألة
رسمت الحضرة العالية الوزيرية؛ أدام اللّه سلطانها، و أعلى أبدا شأنها و مكانها أن أذكر ما عندى فى إدخال لفظة «كان» فى كونه تعالى عالما فى مواضع كثيرة من القرآن.
و قالت حرس اللّه عزّها: لفظة «كان» إذا كانت للماضى؛ فكيف دخلت على ما هو ثابت فى الحال و مستمرّ دائم!و ما الوجه فى حسن ذلك؟
و الجواب المزيل للشّبهة أنّ الكلام قد تدخله الحقيقة و المجاز؛ و يحذف بعضه و إن كان مرادا، و يختصر حتى يفسّر؛ و لو بسط لكان طويلا. و فى هذه الوجوه التى ذكرناها تظهر فصاحته، و تقوى بلاغته؛ و كلّ كلام خلا من مجاز و حذف و اختصار و اقتصار بعد عن الفصاحة، و خرج عن قانون البلاغة. و الأدلّة لا يجوز فيها مجاز، و لا ما يخالف الحقيقة؛ و هى القاضية على الكلام، و التى يجب بناؤه عليها؛ و الفروع أبدا تبنى على الأصول.
فإذا ورد عن اللّه تعالى كلام ظاهره يخالف ما دلّت عليه أدلّة العقول وجب صرفه عن ظاهره-إن كان له ظاهر-و حمله على ما يوافق الأدلة العقلية و يطابقها؛ و لهذا رجعنا فى ظواهر كثيرة من كتاب اللّه تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار أو التشبيه، أو ما لا يجوز عليه تعالى.
و لو سلّمنا تبرّعا و تطوّعا أن دخول «كان» على العلم أو القدرة يقتضي ظاهرها الماضى دون المستقبل لحملنا ذلك على أنّ المراد به الأحوال كلّها؛ لأنّ الأدلة العقلية تقضى على ما يطلق من الكلام، و لا يقضى الكلام على الأدلة.
غير أنّا نبيّن أنّ دخول «كان» على العلم أو القدرة لا يقتضي ظاهرها الاختصاص بالماضى دون المستقبل؛ فإنّ لأهل العربية فى ذلك مذهبا معروفا مشهورا؛ لأن أحدهم يقول: كنت العالم؛ و ما كنت إلا عالما، و عليما خبيرا؛ و ما كنت إلا الشجاع، و إلا الجواد؛ و يريدون بذلك كلّه الإخبار عن الأحوال كلّها؛ ماضيها و حاضرها و مستقبلها؛ و لا يفهم من كلامهم سوى