الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠١ - مسألة
ذلك؛ و إذا كانت هذه عبارة عما ذكرناه فصيحة بليغة-و القرآن نزل بأفصح اللغات و أبلغها و أبرعها-وجب حمل لفظة «كان» إذا دخلت فى كونه تعالى عالما و قادرا على ما ذكرنا.
و مما يستشهد به على ذلك قول زياد الأعجم يرثى المغيرة بن المهلّب بن أبى صفرة:
مات المغيرة بعد طول تعرّض # للقتل بين أسنّة و صفائح [١]
ألاّ ليالى فوقه بزّاته # يغشى الأسنة فوق نهد قارح! [٢]
فإذا مررت بقبره فاعقر به # كوم المطىّ و كلّ طرف سابح [٣]
و انضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم و ذبائح
فقال فى ميت قد مضى لسبيله: «فلقد يكون» ، و إنما أراد: «فلقد كان» ، فعبّر بيكون عن «كان» ؛ كذلك جاز أن يراد بلفظة «كان» الأحوال المستقبلة.
و وجه آخر و هو أنه تعالى لما أراد أن يخبر عن كونه عالما فى الأحوال كلّها لم يجز أن يقول:
هو عالم فى الحال أو فى المستقبل؛ لأن ذلك لا ينبئ عن كونه عالما فيما مضى؛ فعدل عن ذلك إلى إدخال لفظة: «كان» الدالة على الأزمان الماضية كلها، و من كان عالما فيما لم يزل من الأحوال فلا بدّ من كونه عالما لنفسه و ذاته؛ لأن الصفات الواجبة فيما لم يزل لا تكون إلاّ نفسية، و الصفات النفسية يجب ثبوتها فى الأحوال كلّها: الماضية و الحاضرة و المستقبلة؛ فصار دخول «كان» فى العلم أو القدرة مطابقا للغرض، و موجبا لثبوت هذه الصفة فى جميع هذه الأحوال، و ليس كذلك لو علّق العلم بالحال أو المستقبل؛ و هذا وجه جليل الموقع.
و وجه آجر و هو أنا إذا سلّمنا أن لفظة «كان» تختص الماضى و لا تتعدّاه لم يكن فى
[١] من قصيدة عدتها ٥٧ بيتا؛ و هى فى أمالى اليزيدى ١-٧، و أمالى القالى ٣: ٨-١١؛ و أبيات منها فى معجم الأدباء ١١: ١٧٠-١٧١، و الشعراء ٣٩٧.
[٢] البزاة: جمع بزة؛ و هى السلاح؛ و النهد من الخيل: الجسيم المشرف. و القارع: الفرس إذا استتم الخامسة و دخل فى السادسة.
[٣] الكوم: جمع كوماء؛ و هى الناقة العظيمة السنام. و الطرف: الكريم من الخيل و السابح:
الفرس الّذي يسبح بيديه فى سيره.