الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٩ - تأويل آية
و ثالثها أن يراد بالفرقان الفرق بين الحلال و الحرام، و الفرق بين موسى و أصحابه المؤمنين و بين فرعون و أصحابه الكافرين؛ لأنّ اللّه تعالى قد فرق بينهم فى أمور كثيرة؛ منها أنه نجّى هؤلاء و أغرق أولئك.
و رابعها أن يكون الفرقان المراد به القرآن المنزّل على نبينا صلى اللّه عليه و آله؛ و يكون المعنى فى ذلك: و آتينا موسى التوراة و التصديق و الإيمان بالفرقان الّذي هو القرآن؛ لأن موسى عليه السلام كان مؤمنا بمحمد صلى اللّه عليه و آله و ما جاء به، و مبشرا ببعثته. و ساغ حذف القبول و الإيمان و التصديق و ما جرى مجراه و إقامة الفرقان مقامه؛ كما ساغ فى قوله تعالى:
وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ ؛ [يوسف: ٨٢]، و هو يريد أهل القرية.
و خامسها أن يكون المراد الفرقان القرآن، و يكون تقدير الكلام: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ الّذي هو التوراة، وَ آتينا محمدا اَلْفُرْقََانَ ، فحذف ما حذف مما يقتضيه الكلام؛ كما حذف الشاعر فى قوله:
تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و عينيه إن مولاه كان له وفر [١]
أراد: و يفقأ عينيه؛ لأن الجدع لا يكون بالعين؛ و اكتفى بـ «يجدع» من «يفقأ» .
و قال الشاعر:
تسمع للأحشاء منه لغطا # و لليدين جسأة و بددا
أى و ترى لليدين؛ لأنّ الجسأة و البدد [٢] لا يسمعان و إنما يريان.
و قال الآخر:
علفتها تبنا و ماء باردا # حتّى شتت همّالة عيناها [٣]
أراد و سقيتها ماء باردا، فدلّ علفت على سقيت.
[١] البيت فى (الحيوان ٦: ٤٠) و نسبه إلى خالد بن الطيفان؛ و الرواية فيه:
تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و أذنيه إن مولاه ثاب له وفر
.
[٢] الجسأ: اليبس، و البدد: تباعد ما بين اليدين أو الفخذين.
[٣] البيت من شواهد النحاة فى باب المفعول معه على أنه إذا لم يمكن عطف الاسم الواقع بعد الواو على ما قبله تعين النصب على المعية، أو على إضمار فعل يليق به. و هو فى ابن عقيل ١: ٥٢٤، غير منسوب.