الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٤ - تأويل آية
به فمن أدرك الشهر و شاهده و بلغ إليه و هو متكامل الشروط فليصمه، ذهب فى معنى شَهِدَ إلى معنى الإدراك و المشاهدة.
و قد طعن قوم على تأويل أبى عليّ و قالوا: ليس يحتمل الكلام إلاّ الوجه الأول.
و ليس الأمر على ما ظنوه؛ لأن الكلام يحتمل الوجهين معا؛ و إن كان للقول الأول ترجيح و مزية على الثانى من حيث يحتاج فى الثانى من الإضمار إلى أكثر مما يحتاج إليه فى الأول؛ لأن على القول الأول لا يحتاج إلى إضمار الإقامة و ارتفاع السفر؛ لأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ يقتضي الإقامة؛ و إنما يحتاج إلى إضمار باقى الشروط من الإمكان و البلوغ و غير ذلك.
و فى القول الثانى يحتاج مع كلّ ما أضمرناه فى القول الأول إلى إضمار الإقامة؛ و يكون التقدير: فمن شاهد الشهر و هو مقيم مطيق بالغ إلى سائر الشروط؛ فمن هذا الوجه كان الأول أقوى.
و ليس لأحد أن يقول: إن شَهِدَ بنفسه من غير محذوف لا يدلّ على إقامة؛ و ذلك أنّ الظاهر من قولهم فى اللغة: فلان شاهد إذا أطلق و لم يضف أفاد الإقامة فى البلد؛ و هو عندهم ضدّ الغائب و المسافر؛ و إن كانوا ربما أضافوا فقالوا: فلان شاهد لكذا، و شهد فلان كذا؛ و لا يريدون هذا المعنى؛ ففى إطلاق شَهِدَ دلالة على الإقامة من غير تقدير محذوف؛ و هذه جملة كافية بحمد اللّه.
***
قال سيدنا أدام اللّه علوّه: وجدت أبا العباس بن عمّار يعيب على أبى تمام فى قوله:
لمّا استحرّ الوداع المحض و انصرمت # أواخر الصّبر إلا كاظما وجما [١]
رأيت أحسن مرئىّ و أقبحه # مستجمعين لى: التّوديع و العنما
/قال أبو العباس: و هذا قد ذمّ مثله على شاعر متقدم؛ و هو أن جمع بين كلمتين احداهما لا تناسب الأخرى؛ و هو قول الكميت:
و قد رأينا بها حورا منعّمة # رودا تكامل فيها الدّلّ و الشّنب
[١] ديوانه ٣٠٢؛ من قصيدة يمدح فيها إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ.