الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١٨ - تأويل آية
أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكّوا فى صحته و جوازه؛ و مع الشك فى كونه جسما لا يصحّ معرفة السمع، فلا يقع بجوابه انتفاع و لا علم.
و قد قال بعض من تكلم فى هذه الآية: قد كان جائزا أن يسأل موسى عليه السلام لقومه ما يعلم استحالته؛ و إن كانت دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته؛ متى كان المعلوم أن فى ذلك صلاحا للمكلّفين فى الدين، و إنّ ورود الجواب يكون لطفا لهم فى النظر فى الأدلة، و إصابة الحق منها؛ غير/أن من أجاب بذلك شرط أن يتبين النبي عليه السلام فى مسألته علمه باستحالة ما سأل عنه، و أن غرضه فى السؤال ورود الجواب ليكون لطفا.
و الجواب الثانى فى الآية أن يكون موسى عليه السلام إنما سأل ربّه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة، التى تضطرّ إلى المعرفة، فتزول عنه الدواعى و الشكوك و الشبهات، و يستغنى عن الاستدلال، فتخفّ المحنة عليه بذلك؛ كما سأل إبراهيم عليه السلام ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى طلبا لتخفيف المحنة، و إن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه؛ و السؤال إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر، و ذلك أظهر من أن يستدل عليه أو يستشهد عليه؛ فقال له جل و عز: لَنْ تَرََانِي أى لن تعلمنى على هذا الوجه الّذي التمسته منى، ثم أكّد ذلك بأن أظهر فى الجبل من آياته و عجائبه ما دلّ به على أنّ إظهار ما تقع به المعرفة الضرورية فى الدنيا مع التكليف و بيانه لا يجوز، و أن الحكمة تمنع منه.
و الوجه الأول أولى لما ذكرناه من الوجوه؛ و لأنه لا يخلو موسى عليه السلام من أن يكون شاكّا فى أنّ المعرفة الضرورية لا يصح دخولها [١] فى الدنيا أو عالما بذلك. فإن كان شاكا فهذا مما لا يجوز على النبي عليه السلام؛ لأن الشكّ فيما يرجع إلى أصول الديانات و قواعد التكليف لا يجوز عليهم، و لا سيما أن يعلم اللّه ذلك على حقيقتهم بعض أمتهم، فيزيد عليهم فى المعرفة؛ و هذا أبلغ فى التنفير عنهم من كل شيء يمنع [٢] منه فيهم. و إن كان عالما فلا وجه لسؤاله إلا أن
[١] ف: «حصولها» .
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : «يمتنع منه» .