مقامات النبي و النبوة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١ - حقيقة الكلام الإلهي والنبوة
إن المادية والحسية الغربية تغتصب نفسها لتقرأ الوحي والنبوة بعين حسية لا بعين عقلية والحال أن الوحي ليس شيئاً مرئياً بالحواس الظاهرة، بل شأنه وشؤونه شأن الموجودات الكثيرة والحقايق العديدة غير المرئية، وكم هي كثيرة تلك الأمور بل المساحة الأكبر من الحقيقة هي غير مرئية ومن ثم تواصل العلوم مسيرتها الباحثة بلا نهاية ولا انقطاع لإيمان كل البشر أن الحقيقة المجهولة لا متناهية، مع أن المجهول اللامتناهي من الحقيقة غير مرئي إلا أن الإيمان الراسخ عند الباحثين في كل علم لدى كل جيل بشري متعاقباً بوجوده يدفعهم لطلب معرفته تفصيلًا.
وهذا الإيمان- بغير المرئي غير المحسوس من الحقيقة المجهولة- لا يخمد ولا ينطفئ بل يزداد توقداً وانبعاثاً وفاعليةً كلما إزداد الباحث معرفةً، فكأنما أزدياد المعرفة يزيده تنبهاً إلى سعة وواسعية المجهول من الحقايق والحقيقة.
ومع هذا الأشتباه الذي يقع فيه ذوي المنطلق الحسي المادي في قراءة ومعرفة الوحي يلتبس عليهم ذلك ويدعون أنها قراءة عقلية وعقلانية لمقولة الوحي، فيقعون في خلط بين الحس والعقل مع أن مقولة العقل هي الأخرى غير محسوسة ولا مرئية بل هي مهيمنة وحاكمة على تنظيم المحسوسات والتدقيق في سلامتها وسلامة نتايجها وكيفية الاستنتاج منها، لاسيما بعد أن تنبه الباحثون في العلوم إلى مئات الأنواع من أخطاء الحس وإدراكاته، وتنبهوا إلى عدم إحاطة الحس بأمور كثيرة لابد من معرفتها وأخذها في الحسبان في البحوث العلمية ومعادلاتها.