مقامات النبي و النبوة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٤ - الأمانة الغيبية
وكيف أحاط بها كي يبلغ وينبأ عنها، فما معنى الأمانة في تلك الأمور كلوح المحو والإثبات، والقضاء والقدر، واللوح والقلم، وخزائن الله أمين لله عليها، يعني لا يتصرف إلا بإذن الله تعالى، ومن أوصاف الكتاب المبين أنه ظرف لخزائن الله كما يقول الباري تعالى وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [١].
فإن كل ما ذكرته الآية هو في الكتاب المبين، فأمانة النبي (ص) في هذه العوالم لها معنى آخر وطابع آخر، كما يذكر ذلك القرآن في المحاورة التي بين الباري تعالى والملائكة حول خلافة آدم وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [٢].
فإن هذه المداولة التي جرت تبين أن خليفة الله تعالى سواء كان آدم أو غير آدم هو أكثر أهلية في الإحاطة العلمية والأمانة من الملائكة، فإن له قدرة علمية جامعة للأسماء وقدرة على الأمانة والحفظ في جهات عديدة.
[١] سورة الأنعام: الآية ٥٩.
[٢] سورة البقرة: الآية ٣٠- ٣٣.