من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩١ - ويل للمطففين
[١٢] ولكن لماذا يكذبون بيوم الدين؟ هل لنقص في شواهده؟ كلا .. بل لقرار اتخذوه حاليًّا، وجرائم ارتكبوها سابقا، أما قرارهم فهو الاستمرار في الاعتداء على حقوق الآخرين، والتواصل في ارتكاب الإثم. وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إنهم الفجار الذين لم يلتزموا لا بحقوق الآخرين فاعتدوا عليها وأكلوا أموال الناس بالباطل، ولا بحق الله عليهم فأثموا وارتكبوا الفواحش.
[١٣] ويقارن التكذيب في ألسنة هؤلاء- البذيئة- بالاستهزاء، ومحاولة حرف الآخرين عن آيات الله، فتراهم إذا تتلى عليهم آيات الله رموها بالرجعية، وزعموا أنها: ليست سوى الخرافات السابقة. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا يبدو أن الذين يتلون عليهم هذه الآيات هم الدعاة إلى الله، والآيات تهديهم إلى الله ورسالاته وشرائعه، ولكنهم ينكرونها رأسا دون أن يتفكروا قليلا، خشية أن يتأثروا بها، فيفقدوا نعيمهم الزائل، وموقعهم الزائف القائم على الإثم والعدوان، قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ولعل مرادهم من هذا الحديث بيان أنهم لن يتأثروا بها مستقبلا، كما أنهم لم ينتفعوا بها سابقا، ذلك لأنها مجرد تكرار لدعوات سابقة، وهذه الآية نظير قولهم كما في آية أخرى وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥].
[١٤] لماذا يقف بعض الناس موقف الجاحد المعاند وبهذه الدرجة من آيات الله البينات، أولا يحبون أنفسهم، أولا يحكم العقل بضرورة الاستماع إلى النذير فلعله يكون صادقا فيقعون في خطر عظيم؟! يجيب السياق عن هذا التساؤل: بأن للذنب أثرا سيئا على القلب البشري، وكلما تراكمت الذنوب تراكمت آثارها. كَلَّا ليست أساطير الأولين، بل إنها حقائق من عند الله. بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ قالوا: [ران بمعنى غلب] [١]، واستشهدوا على ذلك باستخدام مفرداته، مثل: رانت به الخمرة، وران عليهم النعاس، ويقال: [قد رين بالرجل رينا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه]، ولكن- يبدو لي- أن الأصل في الرين الصدأ، وهو الغلالة الخفيفة التي تحيط بالحديدة وما أشبه وتدل على فسادها. ولعل الفارق بينه وبين الصدأ أن الصدأ قد يكون في جزء، في حين أن الرين يستخدم إذا أحاط الصدأ بالقلب تماما، لذلك قال بعضهم: الرين أن يسود القلب من الذنوب، ونقل عن ابن عباس: [ران على قلوبهم بمعنى غطَّى على قلوبهم] [٢].
ولكن كيف يرين الذنب على القلب؟ أن في قلب الإنسان قوى تتنازعه، وإرادة الإنسان
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٢٩٣.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣١، ص ٩٤.