من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - سبح اسم ربك الأعلى
إن إمكانات التدوين والتسجيل كانت متوفرة لدى الرسول صلى الله عليه واله حيث لا تعني هذه الإمكانات حينئذ إلّا وجود أشخاص قادرين على الكتابة يتوفر فيهم الإخلاص في العمل إلى جانب توفر أدوات الكتابة، وليس هناك من يشك تاريخياً في تمكن المسلمين من كل ذلك.
وقد شاعت القراءة والكتابة في عهد الإسلام الأول، وقد اهتم المسلمون بكلّ تفاصيل تاريخهم، وحتى ببعض ما يهمله عادة الكتّاب و المؤرخون، وقد رغّب القرآن في ذلك، وأقسم بالقلم وبما يسطرون، فكيف ضاعت عليهم كلمات ربهم مع ذلك الاهتمام الذي أولوه لها؟.
أنّ أصل عملية الجمع والتدوين تمت في زمن النبي صلى الله عليه واله وحينئذ فان القرآن الذي تم جمعه في عهد الرسول الاعظم صلى الله عليه واله- حيث عهد بها لأمير المؤمنين ليؤلفه مصحفا ناهيك عن الحفاظ الآخرين- لا يمكن أن يكون إلّا دقيقاً ومتقناً لرعاية الرسول لجمعه، ومع وجود هذا القرآن لا مجال لأن نتصور وقوع الغفلة أو الاشتباه لاحقا، كما لا يمكن أن نحتمل عدم وصول بعض الآيات إليهم.
إن النتيجة المنطقية كما تنفي افتراض التحريف نتيجة الغفلة أو الاشتباه أو عدم وصول بعض الآيات القرآنية- كذلك تنفي آيات مزعومة تمّ نسخها ولم يتعرف عليها إلا الآحاد.
خامساً: هنا القرآن يقول للرسول صلى الله عليه واله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى فأيّة حكمة كانت وراء الإقراء وعدم النسيان؟ أليست بقاء رسالة الله التي هي خاتمة رسالاته للعالمين؟ فكيف يمكننا أن نفترض تعرّض هذه الرسالة للتحريف؟.
إنني أعتقد- انطلاقاً من هذه الشواهد وغيرها- أن القرآن الذي بلغنا هو الذي أنزل من عند الله وبهذا الترتيب بين آيات سوره، وأن الذي جمعه هو شخص الرسول صلى الله عليه واله عبر الذي كان يأمرهم بأن يضعوا الآية في موقعها من السورة حتى ولو نزلت آية في أول البعثة في مكة والأخرى في المدينة وفي آخر أيام حياته، فقد تضافرت الروايات أنه إذا نزل القرآن أرشد لمكان الآية من السورة وقد تكفل الرب بجمع القرآن إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة: ١٧]. كما تكفل هاهنا تعالى بعدم النسيان. وأنني لا أتصور كيف يمكن للرسول أن يترك كتاب ربه العظيم بلا ترتيب وقد أُمر بإبلاغه للعالمين؟!.
[٨] كما قدر الله لكل شيء تقديرا وهداه إلى تقديره كذلك قدر للإنسان تقديرا، وجعل لحياته سننا ومناهج ثم هداه إليهما ولكن بصورة مختلفة عن سائر الأشياء والأحياء .. فلقد زوده بالعقل واستثار عقله بالوحي، وحمله الإرادة والمسؤولية، حتى يكتشف ببصيرة عقله وهدى الوحي أي السبل تؤدي به إلى أهدافه، فإن سار على سبل السلام تيسرت أهدافه، وإذا تنكب