من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٧ - وما أدراك ما ليلة القدر
وفي حديث آخر: أنه ذُكر لرسول الله رجل من بني إسرائيل أنه حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب من ذلك رسول الله عجبا شديدا، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال
[يَا رَبِ! جَعَلْتَ أُمتِي أَقْصَر الناسِ أَعْمَاراً، وَأَقلهَا أَعْمَالًا.
فَأَعْطَاهُ الله لَيْلَة القَدرِ، وَقَالَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
الذي حَملَ الإسرائيلي السِلاح فِي سَبِيلِ الله لَكَ وَلأُمتِكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ فِي كُلِ رَمَضَان] [١].
إنك قد تحيي ليلة القدر بالطاعة فيكتب الله اسمك في السعداء، ويحرم جسدك على نار جهنم أبدا، وذلك بما يوفقك له من إصلاح الذات إصلاحا شاملا، من هنا جاء في الدعاء المأثور في ليالي شهر رمضان مجموعة من البصائر التي تتحول بتكرار تلاوتها إلى أهداف وتطلعات يسعى نحوها المؤمن بجد ومثابرة، ويجتهد في طلبها من ربه
[اللهُمَ أَعْطِنِي السِعَةَ فِي الرِزْقِ، وَالأَمْنَ فِي الوَطَن، وَقُرَةَ العَينِ فِي الأَهْلِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ، وَالمُقَام فِي نِعَمِكَ عِنْدِي وَالصِحَة فِي الجِسْم، وَالقُوة فِي البَدَنِ، وَالسلامَة فِي الدِينِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِكَ وَطَاعَة رَسُولِكَ مُحَمد صلى الله عليه واله أَبَدَاً مَا اسْتَعْمَرْتَنِي، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْفَرِ عِبَادِكَ عِندكَ نَصِيباً فِي كُلِ خَيرٍ أَنْزَلْته وَتُنْزِله فِي شَهْرِ رَمَضَان فِي لَيْلَةِ القَدْر]
[٢] وهكذا ينبغي أن يكون هدفك في ليلة القدر تحقيق تحول جذري في نفسك، تحاسب نفسك بل تحاكمها أمام قاضي العقل، وتسجل ثغراتها السابقة، وانحرافاتها الراهنة، وتعقد العزم على تجاوز كل ذلك بالندم من ارتكاب الأخطاء، والعزم على تركها والالتجاء إلى الله ليغفر لك ما مضى ويوفقك فيما يأتي.
وقد جاء في تأويل هذه الآية: أنها نزلت في دولة الرسول التي كانت خيرا من دول الظالمين من بني أمية، حيث نقل الترمذي عن الحسن بن علي عليهما السلام
[أَنَّ رَسُول الله صلى الله عليه واله أُرِيَ بَنِي أُميَة عَلَى مَنْبَرهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
يَعْنِي نَهْراً فِي الجَنةِ، وَنَزَلَتْ
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
يَمْلكهَا بَعْدَك بَنُو أُمَية]
[٣] وكانت حكومة بني أمية ألف شهر لا تزيد ولا تنقص. وهكذا فضيلة حكومة العدل وأثرها العظيم في مستقبل البشرية أكثر من ألف شهر من حكومة الجور.
[٤] لماذا أمست ليلة القدر خيرا من ألف شهر؟ لأنها ملتقى أهل السماء بأهل الأرض، حيث يجددون ذكرى الوحي، ويستعرضون ما قدر الله للناس في كل أمر. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والكلمة أصلها تتنزل، وصيغتها مضارع تدل على الاستمرار، فنستوحي منها: أن ليلة القدر لم
[١] نور الثقلين: ج ٥، ص ٦١٥، الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٧١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٩١، من دعاء أبي حمزة الثمالي المأثور لأسحار شهر رمضان.
[٣] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ١٣٣.