من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩ - إنما أنت منذر من يخشاها
هدى من الآيات
لكي نتقي طغيان النفس ننظر مرة إلى تاريخ الغابرين، ونتساءل: ما الذي أرداهم؟ أليس طغيان فرعون على موسى أوجب له تلك العاقبة السوأى؟ وننظر مرة أخرى إلى الخليقة فنرى السماء كيف بناها ربنا المقتدر الحكيم، وكيف رفع سمكها فسواها، وكيف ألزمها قوانينها من اختلاف الليل والنهار، والغطش والضحى، ثم ننظر إلى الأرض كيف سواها، وأجرى فيها روافد الماء العذب، وأودعها مواد الزراعة، ووتد ميدانها بالجبال الراسيات، لتتهيأ لحياة البشر والأنعام، أفليس الله بقادر على أن يعيدنا؟ بلى، وهو حكيم لم يخلق كل هذا سدى، فلا بد إذن من يوم الحساب، في ذلك اليوم الرهيب يتذكر الإنسان سعيه، ويرى كل ذي عين الجحيم تلتهب، وتدعو الطغاة الذين آثروا الحياة الدنيا، في حين أن الخائفين مقام ربهم يؤويهم ربهم في الجنة لأنهم خالفوا أهواءهم.
وفي نهاية السورة يعالج القرآن الكريم التشكيك في وقت الساعة، بأن وقتها عند الله، وأن المهم تذكرها، وليس معرفة وقتها.
بينات من الآيات
[٢٧] لماذا يطغى الإنسان؟ أوليس لأنه لم يستوعب أو يعترف بالنشور والحساب؟ ولكن كيف يؤمن بذلك ووساوس الشيطان تبعده عنه وتطرح في روحه التساؤلات المتلاحقة: كيف ومتى وأنى؟ من أجل أن يتجاوز الإنسان هذه الوساوس ولا يقع في شرك الشيطان يذكِّره الرب سبحانه بما يحيط به من خلق السماوات والأرض، وذلك لأمرين
أولًا: لكي نؤمن بعظيم قدرة الله التي تتجلى في هذا الخلق مما يهدينا إلى أنه لا يعجزه شيء.
ثانياً: لكي نزداد وعيا بحكمة الخلق، وأن له هدفا محددا، وأن الإنسان لن يشذ عن هذه السنة العامة.
وإذا وعى الإنسان هاتين البصيرتين فإنه يستطيع مقاومة وساوس الشيطان. ءأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا فقدرة الرب التي بنت هذه الأجرام التي لا يبلغ حتى خيال أعظم العلماء مداها لا تعجزه إعادة الإنسان إلى الحياة مرة أخرى، وقال الله سبحانه لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].