من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٧ - الإطار العام الحرية بين وعي الذات وعزم الإرادة
الإطار العام: الحرية بين وعي الذات وعزم الإرادة
حينما يولد ابن آدم تتساوى في كيانه فرص الخير والشر، ولا يزال يختار ثم يستفيد من فرص الخير أو الشر الواحدة بعد الأخرى حتى تميل كفته نحو ما اختار. فرص الخير هي العناصر النورية التي لو رجحت حملته إلى الجنة، بينما فرص الشر هي العناصر النارية التي لو تكاثفت هوت به إلى جهنم وساءت مصيرا.
ولا أعرف شيئا يجري فيه تحول ذاتي كالإنسان. إنه يتمحض بالتالي للجنة أو للنار، هنالك لا يعود مختارا، ولا يعود يملك حرية اختيار واحد من النجدين، بل يبقى كما اختار أولًا: أما إلى جنة النور خالدا فيها، أو إلى جهنم النار خالدا فيها، أو لبعض الوقت.
كيف يتم اختيار الشر؟ أنه ليس بحاجة إلى العزم والوعي، بل يكفي الغفلة والاسترسال سبيلا يؤدي به إلى النار، كما لو تسلق الإنسان الجبل لا يحتاج سقوطه في الوادي إلى إرادة وحكمة، بل ليدع نفسه لحظة فسوف نراه في الوادي مهشما بعد لحظات، بينما الذي يختار الجنة عليه أن يتسلح بوعي الذات وعزم الإرادة، ولعل هذه البصيرة هي محور سورة البلد.
ذلك أن القسم الأول: من السورة يبصرنا بأنفسنا، وأننا في كبد (الأرض والمكان) وعلينا وعي ذلك حتى نتحدى الصعاب بعزم الإرادة، ونعرف أن الله قادر علينا فنراقبه، وخبير بنا فلا نخدع أنفسنا، خصوصا عند الإنفاق، فنزعم: أننا أهلكنا مالا كثيرا.
أما القسم الثاني: فيذكرنا بضرورة اقتحام العقبة، وتجاوز المنعطف الخطير الذي يجد الإنسان نفسه بين أمرين: بين السقوط في أشراك الهوى أو التحليق في سماء الحق.
وبعد أن يبين مثلين لاقتحام العقبة هما: فك رقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة، يهدي إلى قمة التحول الإيجابي عند البعض المتمثلة في الإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة.