من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٧ - إنه لقول فصل وما هو بالهزل
يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ الْعَسَلِ الذُّبَابُ فِي يَوْمِ الصَّائِفِ وَلَوْ بَدَوْا لَكُمْ لَرَأَيْتُمُوهُمْ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ كُلٌّ بَاسِطٌ يَدَهُ فَاغِرٌ فَاهُ وَلَوْ وُكِّلَ الْعَبْدُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ]
[١]. ويظهر من هذا الحديث: أن الملائكة يذبون الشياطين عن المؤمن لكي لا يؤثروا عليه ماديًّا ومعنويًّا، ويقوم الحفظة بحفظ أعمال العباد وما تبدى منهم، من نية وكلمة وفعلة، قال الله سبحانه وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَاماً كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠- ١٢]. وهكذا لا يصيب الإنسان مصيبة أو أذى إلا بأذن الله، إذ لولا ذلك لمنعت عنه الحفظة، وقد قال ربنا سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: ١١].
[٥] ولكي يتأكد الإنسان من الحفظة فليفكر في نشأته: كيف كان نطفة (في صلب أبيه ثم رحم أمه) مهانة ضعيفة. من الذي حفظها في مسيرتها الصعبة؟ أوتدري كم هي الأنظمة الدقيقة التي تحيط بالنطفة وهي تتقلب من طور إلى طور في رحم الأم؟ وهل كان من الممكن لك وأنت نطفة أن تحفظ نفسك من الأخطار؟ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ إن هذا النظر يفتح أمام الإنسان آفاقا من المعرفة، لأنه يهتدي بذلك إلى حقيقة نفسه ومدى ارتكاسها في العبودية والحاجة فيخرج من ظلمة الغرور والكبر والتعالي إلى نور الواقعية والتواضع، كما إنه (بالنظر إلى بدء نشأته) يعرف مستقبله. أوليس الإنسان يعود كما بدأ؟.
[٦] من الصعب علينا تصور العدم حيث أنشأنا الباري لا من شيء كان ولا مثال احتذاه، ولكن أفلا نقدر على تصور المسافة بين النطفة وبين الإنسان المتكامل؟ إذا لنعرف أن المسافة بين النشأة الأولى حينما خلقنا الله من تراب وحتى جعلنا في صورة نطفة أبعد وأعظم. أما المسافة بين العدم والوجود فإنها لا تقاس بأية مسافة أخرى، لأن تصور العدم من قبلنا يشبه المستحيل.
دعنا إذا ننظر إلى حيث كنا قطرات من ماء دافق، ونتساءل: كيف كنا، والآن كيف صرنا؟ أفليس الذي حولنا من تلك الحالة إلى حيث نحن بقادر على أن يعيدنا بعد الموت؟ بلى، إنه على كل شيء قدير.
خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ينبعث من الصلب إلى الرحم ليستقر في مقام أمين حيث ينشئه خلقا آخر. ولعل كلمة مِنْ هنا تشير إلى أن هذه القطرة المتواضعة ليست كلها منشأ خلق البشر بل شيء منها، بلى، فإن خلية واحدة بين ملايين الخلايا هي منشأ خلقة هذا العالم الكبير
[١] بحار الأنوار: ج ٦١، ص ٣١٤.