من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - وما أدراك ما العقبة
بالقسم بالبلد وبالوالد والولد، لبيان المشاق التي يواجهها الإنسان، فما هي العلاقة بينهما؟ إنها تتمثل في أن أعظم ما يكابده البشر يتصل بالأرض والأولاد.
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ قلنا: أن القسم يهدف إلقاء ظلال من العظمة على الموضوع، وسوف يحقق هذا الهدف نفيه أو إثباته، وقد يكون نفي القسم يوحي بأهمية ما يحلف به مما يبالغ في العظمة، ولذلك قال المفسرون: أن [لا] هنا زائدة، وبعضهم قال: إنها تشبه كلمة كلا، تنفي أفكار الجاهليين. ولعله، بل هو الأقرب كما سبق في سورة القيامة أن لا ليست بزائدة، حيث تكون لا أقسم لعدم الحاجة للقسم، فهو بمعنى القسم. والبلد- حسب أقوال المفسرين-: مكة، وشرف مكة واضح.
[٢] ولكن مكة ليست بأشرف من رسول الله صلى الله عليه واله، بل شرف كل أرض بمن يسكنها من عباد الله الصالحين، ولذلك جاء في الحديث
[الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَة]
[١] ويفسر ذلك حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه واله نظر إلى الكعبة فقال
[مَرْحَباً بِالْبَيْتِ مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ عَلَى الله وَالله لَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكَ لِأَنَّ الله حَرَّمَ مِنْكَ وَاحِدَةً وَمِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةً مَالَهُ وَدَمَهُ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْء]
[٢] أوليست الكعبة أول بيت وضع للناس، فالهدف إذا هو الإنسان الذي سخرت له الأرض وما فيها، وأي إنسان أشرف من محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله.
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ أي أنت تسكن هذا البلد وتحل فيه، وقال بعضهم معنى الآية: لا أقسم بالبلد الذي يستحل النبي فيه. وقد روي ذلك مأثورا عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال
[وكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ الْحَرَمَ ولَا يُقْسِمُونَ بِهِ يَسْتَحِلُّونَ حُرْمَةَ الله فِيهِ ولَا يَعْرِضُونَ لِمَنْ كَانَ فِيهِ ولَا يُخْرِجُونَ مِنْهُ دَابَّةً فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
قَالَ يُعَظِّمُونَ الْبَلَدَ أَنْ يَحْلِفُوا بِهِ ويَسْتَحِلُّونَ فِيهِ حُرْمَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله] [٣].
وعلى هذا يكون شرف المكان بتوفر حالة من الحرية والأمن لمن يسكنه.
[٣] ثم يقسم بالقرآن بوالد وما ولد، فيقول وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ فمن هما؟ يبدو أن كل والد يكابد حتى ينمو ولده ويشب، كما يكابد كل ولد حتى يكتمل ويصبح والدا، والقسم على هذا مطلق يشمل كل إنسان. وقال بعضهم بل المراد آدم عليه السلام وذريته، أو إبراهيم عليه السلام ونجله إسماعيل، أو كل ذريته الصالحين.
[١] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ٧١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ٧١.
[٣] الكافي: ج ٧، ص ٤٥٠.