من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤١ - إنه لقول فصل وما هو بالهزل
في الآخرة، ولا يزال محجوبا عن وعيها؟ وحتى المؤمن بها بصورة مبدئية تراه يتعامل معها بشك، لأنه لا يسمو بعقله ووعيه عبر الحقائق التي تتجلى فيها قدرة الرب سبحانه، وهكذا لا يستطيع طرد وسوسة الشيطان من قلبه. كيف يعيد الله الإنسان بعد أن أضحى ترابا؟ تعالوا نفترض: أن الخلية الحية التي خلق الإنسان بها تبقى كذلك دون أن تفنى، وإنما تتلاشى الخلايا الإضافية التي اجتمعت حولها في الرحم بعد اللقاح، وأن الله يحفظ تلك الخلية في وعاء القبر أو في أي وعاء آخر، كما حفظها في صلب الرجل من قبل، ثم أنه سبحانه يهيئ الأرض لنموها من جديد كما نمت في رحم الأم. أونجد في ذلك غرابة؟ كلا .. ونحن نعرف أن الخلية الحية يمكن أن تعيش في ظروف مختلفة وبصور شتى، وبعض الخلايا تعيش في ظروف صعبة جدا، فلماذا نستغرب مثلا أن تكون تلك الخلية الرئيسية من أمثالها؟.
هذه الفكرة التي قلنا آنفا أنها نظرية نجدها تكفينا لحل اللغز التالي: كيف يعيد الله الإنسان بعد الموت؟ وأقول: (تكفينا) لأن قيمة النظرية حل اللغز، ولعل نظريات أخرى تكون موجودة، ولكن وجود نظرية واحدة تغني عن غيرها لنفي حالة التشكيك في الحقيقة. على أن هذه ليست مجرد نظرية، وإنما وردت عليها رواية مأثورة عن الإمام الصادق عليه السلام
[سُئِلَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام عَنِ الْمَيِّتِ هَلْ يَبْلَى جَسَدُهُ فَقَالَ نَعَمْ حَتَّى لَا يَبْقَى لَحْمٌ ولَا عَظْمٌ إِلَّا طِينَتُهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْلَى تَبْقَى فِي الْقَبْرِ مُسْتَدِيرَةً حَتَّى يُخْلَقَ مِنْهَا كَمَا خُلِقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ]
[١]. وهكذا قال ربنا بعد أن ذكرنا بالنشأة الأولى أنه قادر على رجعه. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ.
[٩] ولكن عودة الإنسان ليست في دورة طبيعية كما يعود النبات في فصل الربيع! كلا .. إنها عودة مقصودة كما أن خلقه في الدنيا جاء بحكمة بالغة. فما هو الهدف من عودته؟ إظهار حقيقته. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ الدنيا دار ابتلاء واختبار، ومن طبيعة الدنيا إنها خليطة فيها الخير والشر، ولا يميز خيرها عن شرها بسهولة، بينما الآخرة دار جزاء، وكل شيء فيها ظاهر، ويعطي الله الإنسان من قوة الإحساس ما يستوعب الكثير مما لم يقدر عليه في الدنيا، بصره يومئذ حديد، ويذوق نار جهنم على أنه لا يستطيع أن يذوق جزءاً من مليون جزء منها في الدنيا، ويتنعم بنعم الجنة التي لا يمكنه أن يتنعم بجزء يسير منها في الدنيا.
وفي الأحاديث المأثورة عن السرائر: أنها أعمال العباد، فقد روي عن معاذ بن جبل أنه قال: سألت رسول الله: ما هذه السرائر التي ابتلى الله بها العباد في الآخرة؟ فقال
[سَرَائِركُمْ هِيَ أَعْمَالكُم مِن الصَلاةِ وَالصيَامِ وَالزكَاةِ وَالوضوءِ والغُسْلِ مِنَ الجَنَابةِ وَكُل مَفْروضٍ، لأَنَّ الأعْمَال كُلهَا سَرائِر خَفية، فَإِنْ شَاءَ الرجل قَالَ: صَليتُ، وَلَمْ يُصَلِ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ: تَوضأتُ وَلَمْ يَتوضَأ،
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ١٩١.