من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - إنما أنت منذر من يخشاها
معنى هذه الآية: أين أنت من قصتها وحديثها، ولماذا لا تتذكرها، وليس معناها كما قالوا: ليس لك السؤال عنها، أو فيم أنت من ذلك حتى يسألونك بيانه، ولست ممن يعلم. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون الوقف عند فِيمَ وكأنه قيل: فيم تسأل وأنت من ذكراها أي أن رسول الله صلى الله عليه واله، من أشراط الساعة [١]. بيد أن تفسيرنا أقرب إلى السياق الذي يهدف التذكرة بالساعة وأهوالها.
[٤٤] الله سبحانه الذي يأمر بها متى شاء وكيف شاء. إنها مما لم يُطْلِعْ عليه الرب أحدا من خلقه. إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا فإليه المرجع في أمرها، كما قال سبحانه إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف: ١٨٧]، وقال إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣٤].
[٤٥] بلى، حري بنا أن نترك السؤال عن الساعة إلى العمل من أجلها، وإلى تذكرها لحظة بلحظة لأنها آتية لا ريب فيها، وقد توافرت أشراطها، ومن أشراطها النذير المبين رسول اللهصلى الله عليه واله. إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا فبدل أن نعاود السؤال عن وقت الساعة تعالوا نخشاها بعد أن جاءنا النذير.
[٤٦] وماذا ينفع المجرمين لو تأخرت الساعة عنهم، هل يخفف عنهم شيئا من عذاب ربهم؟ كلا .. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ما قيمة سبعين عاما من العمر جُلُّها سبات النوم وغفلة الجهل والانشغال بالدنيا وضروراتها، ما قيمتها إذا قيست بخمسين ألف عام مدة اليوم الأول من أيام الآخرة؟! هناك يتذكر الإنسان أن عمره في الدنيا كان يوما أو بعض يوم، وأنه قَصَّرَ فيه تقصيرا كبيرا حيث لم يستعد ليوم الأهوال. ولعل معنى عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا: النهار الذي يتصل بالعشية أو ينصرم بالضحى، وذلك على عادة العرب في قولهم: آتيك العشية أو غداتها .. فأهل القيامة قالوا في البدء: كأننا عشنا في الدنيا نهارا كاملا، ثم أكثروا النهار فقالوا: بل نصف نهار، كما قال ربنا سبحانه إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه: ١٠٣] وقوله إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طه: ١٠٤] وقال كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [الأحقاف: ٣٥].
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن وعى رسالة النذير، واستعد للرحيل ولم ينس الساعة وأهوالها.
[١] انظر: تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢٠٩، التفسير الكبير: ج ٣١، ص ٥٢.