من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٤ - أليس الله بأحكم الحاكمين
مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ] [١].
[٢] في كنف جبل مشجر تحلو الحياة لما فيه من فوائد ومنظر وحماية، من هنا جاء ذكر الطور بعد ذكر طعام الإنسان فقال ربنا وَطُورِ سِينِينَ، وقيل في معنى سِينِينَ الحسن باللغة السريانية، وقيل: [أن كل جبل ذا أشجار مثمرة يسمى بسينين، وقيل: [إن كل جبل فيه شجر مثمر] [٢].
[٣] وأنى كان فإن الصورة تنسجم مع القسم بالتين والزيتون من جهة، وبالبلد الأمين من جهة أخرى، حيث قال ربنا سبحانه وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ذلك أن أصول مدنية الإنسان: الطعام، والأرض، والسلام. فإذا كان التين والزيتون مثلا لأرقى أنواع الطعام، وطور سينين لأحسن الأراضي وأكثرها بركة، فإن البلد الأمين مثل لأفضل البلاد وهي بلاد الأمن، ويتناسب هذا الإطار مع محور السورة المتمثل في خلق الإنسان بأحسن تقويم، ذلك لأن تسخير الحياة له، وإعداد طعامه وأرضه، وتوفير الأمن، وبالتالي توفير وسائل المدنية له بعض جوانب حسن صنعه إليه، وجميل عطائه له.
وقد فسرت هذه الكلمات تفسيرات أخرى لا تتنافى وسعة كلمات القرآن وتخومها المتعددة، فقالوا الْبَلَدِ الأَمِينِ: مكة شرفها الله وَطُورِ سِينِينَ: الجبل الذي نادى الله جل ثناؤه فيه موسى عليه السلام أما وَالتِّينِ فقيل: أنه البيت المقدس أو المسجد الحرام أو مسجد دمشق، بينما الزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس، أو أن التين هو مهبط سفينة نوح حيث جبل الجودي. وجاء في رواية مأثورة عن النبي صلى الله عليه واله
[إِنَّ الله تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اخْتَارَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَرْبَعَة. إلى أن قال: واختار من البلدان أربعة: فقال تعالى
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ
فَالتِّينُ: الْمَدِينَةُ، وَالزَّيْتُونُ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَطُورُ سِينِينَ: الْكُوفَةُ، وَهَذَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ: مَكَّةُ] [٣].
[٤] قسماً بتلك الديار المقدسة. وقسماً بتلك النعم التي تصنع حضارة البشر أن الإنسان قد خلق خلقا سويا حسنا. لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ تتجلى قدرة الله في صنع جسده، من استقامة قامته، إلى شبكة أعصابه، إلى قدرات مخه، إلى مرونة جسمه وما فيه من قدرة احتمال للظروف المختلفة، مما يدل على أنه قد أعد لدور أعظم من مجرد دوره الحياتي أو البنائي؛ إنه ليس مجرد فرد متطور، إنه مخلوق مكرم، سخر الله له الأحياء والنباتات والطبيعة، فإذا دوره الحقيقي
[١] الكافي: ج ٦ ص ٣٣١.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٩٣.
[٣] بحار الأنوار: ج ٩٦، ص ٣٨٣.