من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧١ - يا أيها الإنسان ما غرك برك الكريم
نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قالوا: ما قدمت في حياته، وما بقيت منه بعد وفاته كالسنة الحسنة الباقية أو البدعة المستمرة من بعده، وقال بعضهم: ما تقدم أول عمره، وما تأخر في سني حياته الأخيرة .. وربما التأخير بمعنى التضييع للتعامل مع قَدَّمَتْ الواردة في أكثر من آية بمعنى العمل، ومناسبة استخدام هذا التعبير للعلم تكشفه ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف: ٤٨]. ويبدو هذا التفسير أقرب إذ لا خير في العمل المتأخر فكلٌّ في رصيد الإنسان، أما آثار العمل فهو وإن كان في سجل الإنسان إلا أن ظاهر الآية التقسيم لصنفين على أساس العمل الذي هو استعداد للآخرة وترك الاستعداد والعمل.
وأنى كان فإن هذه هي المسؤولية التي تتجسد ذلك اليوم، فقد يقدم الإنسان بين يدي أفعاله السيئة بعض الأعذار، وقد يلقيها على غيره أو ينساها أو يتناساها ويخفيها في الدنيا ولكنه في الآخرة يجدها أمامه بلا نقصان، ولا يستطيع منها فرارا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران: ٣٠]، أفليس من العقل أن يراقب الإنسان نفسه لكيلا يصدر منه علم سيئ، وأن يلغي الأعذار والتبريرات فلا يتشبث بها في الدنيا ما دامت لا تنفعه شيئا في تلك الدار، وأن يتخذ من التقوى حجابا بينه وبين أهوال ذلك اليوم الرهيب؟.
[٦] وتنتفض النفس من أعماقها حينما يناديها الرب بكل حنان وعطف وكبرياء يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ لماذا تتمرد عليه؟ هل لأنك استغنيت عنه فطغيت؟ أو لم يخلقك من ماء مهين؟ أولم يسوِ خلقك حتى أصبحت متكاملا متعادل الوجود؟ أم أنك تنكر هيمنته عليك؟ أوليس هو الذي اختار صورتك التي أنت عليها من قصر وطول وقوة وضعف وبياض أو سواد أو سمرة و ..؟ أم أنك اغتررت بكرمه الذي واتر عليك به نعمه ظاهرة وباطنة؟ أفلم يهدك قلبك أن تتقي غضبة الحليم؟ أولم تبعثك مروءتك أن تجازي إحسانه بالإحسان أم ماذا؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال متفاوتة من شخص لآخر، ولكن ليس هنالك أي تبرير مقبول، ذلك لأن الغرور حالة مرفوضة أساسا بأي سبب كان.
وقد جاء في حديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
[غَرَّهُ جَهْلُهُ]
[١] بلى، غرهم بربهم تواتر نعمه، وتتابع آلائه، قال الإمام السجاد عليه السلام
[أَذْهَلَنِي عَنْ إِقَامَةِ شُكْرِكَ تَتَابُعُ طَوْلِكَ]
[٢]. بيد أن ذلك ليس من مصلحة الإنسان، إنما عليه أن يحارب الغرور بيقظة الضمير، وسلاح التقوى. كذلك أوصانا إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال بعد تلاوته للآية
[١] بحار الأنوار: ج ٧، ص ٩٤.
[٢] الصحيفة السجادية: مناجات الشاكرين.