من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٣ - إن هو إلا ذكر للعالمين
يدعونا الشيطان إلى الفحشاء والمنكر والبغي وينهانا عن التواد والتعاون، وعلى البر والتقوى، ويثير الضغائن والأحقاد، ويدفعنا نحو الشهوات العاجلة و .. و .. نجد وحي الرحمن المنبعث حينا من داخل الضمير وحينا من فم الرسول يأمر بالعدل والإحسان، وأداء الأمانة، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ويحبذ التوبة والقصد، ويدعونا إلى التعاون على البر والتقوى، وهكذا يهتدي القلب إلى صدق الرسول برسالته التي يحملها والتي لا يجد العاقل صعوبة في فرزها عن الدعوات الضالة. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ.
[٢٦] وحين يترك الإنسان نداء الرحمن لا بد أن يتخطفه الشيطان بغروره وأمانيه، فهل نذهب إليه؟! فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ قد يرفض الإنسان دعوة الخير دون أن يفكر في البديل أو حتى في العاقبة، بل لمجرد غفلته عن عواقب كفره بها، وعما يضطر إليه من الباطل حينما يرفض الحق، ويبدو أن هذه الكلمة إشارة إلى ذلك، كما هي صعقة عنيفة للنفوس السادرة في الغفلة والجهل لعلها تعود إلى ذاتها وتفكر في أمرها.
[٢٧] وفي القرآن صفتان تشهدان على صدقه
الأولى: أنه يتوافق مع نور العقل لأنه يقوم بإيقاظه من سباته، فإذا بالعقل يكتشف الحقيقة بنفسه، ويكون مثله مثل من كان يعرف شيئا فنسيه، فإذا ذكر به عاد يعرفه، فمعرفته آنئذ تكون بذاته وإنما دور المذكر تنبيهه وتبصيره، وإذن لا يحتاج إلى حجة لكي يعرف أن الذي ذكره كان ناصحاً له ومحقًّا. ومثل آخر إذا كنت تبحث عن الهلال فلا تجده فأشار صاحبك إليه، فلما نظرت إليه رأيته فهل تحتاج إلى دليل يهديك إلى صدق صاحبك؟ كلا .. إن أكثر برهان على أنه حق هو أنه هداك إلى الحق فعرفته بنفسك، كذلك القرآن ذكر، ومعنى الذكر: أنه ينبه العقل إلى مكنوناته فإذا به يكتشفها بنفسه، فيعرف أنه حق.
الثانية: عالمية القرآن التي تهدينا إلى أنه من رب العالمين، ذ لك أن الشيطان يفرق الناس بألوانهم ولغاتهم وقومياتهم؛ لأنه يدعو إلى المصالح المادية- وهي مختلفة ومتضاربة- والوحي الإلهي يساوي بين عباد الله، أوليسوا جميعا خلقه، وهو يدعو إلى الحق، وهو غير مختلف من أرض لأرض أو قوم لآخر؟! هكذا قال ربنا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ.
[٢٨] ومن صفات الوحي تأكيده على حرية الإنسان في اختياره. أولم يقل ربنا لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِ [البقرة: ٢٥٦]؟! والحرية تبدأ من حرية العقيدة، وإنه سبحانه أبى أن يفرض الحق على البشر فرضا، وأبى لعباده أن يكرهوا بعضهم عليه، أولم يقل سبحانه وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا