من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٨ - ألهاكم التكاثر
لِلْمَوْتِ وأَشَدُّهُمْ لَهُ اسْتِعْدَاداً] [١].
[٣] والذي يردع النفس من التلهي بالتكاثر خشيته من لقاء ربه عندما يزور قبره، ويواجه عمله. كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، والعلم ينقض الشك، كما ينقض الإنذار التلهي، وهذه الآية إنذار من رب العالمين بأن هذا التكاثر سوف يعلم أن من جمعه لم ينفعه. إن الغفلة ناشئةٌ من كثرة الانشغال بالأمور الدنيوية المحيطة بالإنسان ويبدو أن الآيات تشير لبعض جذور المشكلة
١- الانغماس في الدنيا والانشغال بنعيمها حتى يغفل عما ورائها.
٢- طبيعة الإنسان التي تهفوا للعاجل وتغفل عن الآجل لما جبلت عليه من حب الخير.
وهذا ما أشارت له الآيات في اعتبار العلم مستقبلي بالرغم أن المسلمين يؤمنون بالآخرة. لكن حالهم حال من لا يؤمن بسبب انشغالهم بالدنيا. وهذا يهدينا إلى معرفة أمرين
الأول: أن معالجة هذه الظاهرة هي بالزجر لا اللين المتمثلة في كَلَّا ومضمونها صدم الغفلة بالننتائج المستقبلية، وفتح كوة أمام ناظر الإنسان ليراه قريباً.
الثاني: معرفة اهتمام القرآن الكريم بتصوير مشاهد يوم القيامة حتى ليُخيل للقارئ أنه يعيشها، وذلك رعاية لطبيعة البشر المعجونة بالنسيان والانشغال بالعاجلة.
[٤] ولأن نزعة التكاثر عميقة النفاذ في النفس، بالغة الأثر في قرار الإنسان، وما أهلك الإنسان مثل الفخر، ولا أضله مثل التكاثر، لذلك عاد السياق وأكد الإنذار تلو الإنذار. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وعلى الإنسان أن يشتغل بإصلاح نفسه عن لهو التكاثر بذكر الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات، حتى لا يفاجئه ملك الموت وهولاه ساه.
وقد ذكر البعض: إن هذه الآية مجرد تأكيد للآية السابقة، بينما ذهب البعض إلى أن هذه الآية تذكرنا بعذاب الآخرة، بينما الأولى تنذر بعذاب الدنيا الذي يجري حين الموت وبعده في القبر على امتداد أيام البرزخ وإلى حين يبعثون، وقد ورد نص مأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك، حيث روى زر بن حبيش عنه، قال
[مَا زِلْنَا نَشُكُ فِي عَذَابِ القَبرِ حَتَى نَزَلَتْ
أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ
إِلى قَوْلِهِ
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
يُرِيدُ فِي القَبْرِ
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
بَعْدَ البَعْثِ]
[٢]. وهكذا حذرنا أولياء الله من فتنة القبر وعذابه، فهذا الإمام علي ابن أبي طالب
[١] الكافي: ج ٣ ص ٢٥٧.
[٢] نور الثقلين: ج ٥، ص ٦٦١.