من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - فليعبدوا رب هذا البيت
وهكذا فسروا الإيلاف: بإيجاب الألف، وهو الاجتماع المقرون. بالالتئام، ونظيره الإيناس، ونقل عن الأزهري أنه يشبه الإجارة والخفارة، يقال: ألف يؤلف: إذا أجار الخمائل بالخفارة [١] حيث أن الله وفر لقريش فرصة التجارة، بما كانت لهم من علاقات حسنة مع سائر العرب، وبما كانت لهم من هيبة في نفوس الناس باعتبارهم في جوار بيت الله.
وأنى كان أصل معنى الإيلاف فإن اللفظ يشير إلى معنى المدنية والحضارة، لأن كلمة المدنية مشتقة من المدينة، والإيلاف بدوره يوحي بالتواجد في مكان واحد، أما الحضارة فهي مشتقة من حضور الناس عند بعضهم، بينما الإيلاف يدل على الحضور والتآلف، ومعروف أن التآلف أهم من مجرد الحضور، وقد جعله الله سبحانه نعمة كبرى حين قال سبحانه وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: ٦٣].
ومعلوم أن هناك فرقاً بين هذه الألفة العميقة التي تكون بين القلوب، والتي لا يصنعها المال، وإنما الإيمان. وبين الألفة الظاهرة بين أفراد وفئات المجتمع لزوال عوامل التنافر بينهم، وهي المحققة للاستقرار في المجتمع. وهذه من عواملها الأساسية الرخاء الاقتصادي، فالاقتصاد أساس في الاستقرار لكنه ليس كل شيء.
وقريش كانت القبيلة العربية التي ظهرت فيها بوادر المدنية باستقرارها في منطقة استراتيجية، وأمنها، واشتغالها بالتجارة التي هي أكثر من مجرد علاقات اقتصادية، لأنها توفر أيضا فرصة التواصل الثقافي.
ولا ريب أن كل هذه الفرص لم تتوفر لقريش إلا بفضل ما بقيت لديهم من آثار الوحي، ومن تراث الحنفية الإبراهيمية، وحسب النصوص الشرعية: كان النبي صلى الله عليه واله من سلالة طاهرة موحدة، لم تدنسها الجاهلية بشركها وفسوقها.
وكلمة قريش: جاءت من القرش بمعنى المال، باعتبارهم كانوا تجارا، والتقريش بمعنى الاكتساب، وقيل: بل جذر الكلمة من الاجتماع، حيث يقال تقرشوا: أي اجتمعوا، وإنما سموا بذلك حينما جمع قصي بن كلاب سائر قريش في الحرم وأنشدوا بعضهم
أبونا قصي كان يدعى مجمعا
به جمع الله القبائل من فهر