من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٢ - سبح اسم ربك الأعلى
[١٥] وبعد أن يتزكى القلب يتلقى نور ربه، فيذكره بانشراح، ويصلي له بخضوع. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وهنا أيضا ذكر الاسم وأريد المسمى، أوليست الصلاة منه وليست لاسمه سبحانه. والقلب من دون تزكية لا يتلقى نور الذكر، فإن كل عقدة نفسية أو ضلالة شركية أو انحراف خلقي يشكل حجابا بين العبد وربه، فأنى لمن يشرك بالله أن يعرفه، وأنى لمن غمر قلبه بحب الدنيا وزينتها أن يتفرغ لرؤية جمال الخالق ونعيمه في الآخرة؟! أولم يقولوا: حب الشيء يعمي ويصم؟.
والصلاة هنا كل حالة خشوع لله ولرسوله ولمن أمر الرسول. إنها التسليم التام لله، ولذلك جاء في بعض النصوص تأويلها بصلاة العيد وفي بعضها تأويلها بالصلاة على النبي صلى الله عليه والهبلى. إنهما معا مظهران لحالة واحدة، فمن سلم لله سلم لرسوله، ومن صلى صلاة العيد فانما يصليها خلف إمام نصبه الله، وأمر باتباعه الرسول. أليس كذلك؟ هكذا [سُئِلَ الإمام الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قَالَ عليه السلام
مَنْ أَخْرَجَ الْفِطْرَةَ.
فَقِيلَ لَهُ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قَالَ عليه السلام
خَرَجَ إِلَى الجَبَّانَةِ فَصَلَّى]
[١]. وجاء في حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: (في تفسير الآية)
[كُلَّمَا ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ] [٢].
[١٦] ما الذي يمنع الإنسان من تواصل ذكر اسم الله والصلاة له والدعاء إليه؟ أليس الله أقرب شيء إليه؟ أوليس أرحم الراحمين؟ أولم يدعه إلى نفسه ورغبه في نعيمه؟ بلى، ولكن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا قد أحضرت له بكل زينتها وشهواتها وغرورها وأمانيها، بينما الآخرة قد غيبت عنه وادارك علمه فيها فنسيها وأقبل على ضرتها. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فهذه طبيعة بني آدم جميعا إلا من عصمه الله، وأقلع نفسه من جاذبية الدنيا، وحلق في سماء المعرفة .. وإنما ذكرنا القرآن بهذه الحقيقة لنعرف أين مكمن الخطر في أمرنا، وكيف يمكننا تجنبه؟.
جاء في حديث جامع مأثور عن الإمام السجاد عليه السلام حول الموقف من الدنيا، أنه قال بعد أن سُئل: أي الأعمال أفضل عند الله؟
[مَا مِنْ عَمَلٍ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الله جَلَّ وعَزَّ ومَعْرِفَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه واله أَفْضَلَ مِنْ بُغْضِ الدُّنْيَا وإِنَّ لِذَلِكَ لَشُعَباً كَثِيرَةً ولِلْمَعَاصِي شُعَباً فَأَوَّلُ مَا عُصِيَ اللهُ بِهِ الْكِبْرُ وهِيَ مَعْصِيَةُ إِبْلِيسَ حِينَ أَبَى واسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ والْحِرْصُ وهِيَ مَعْصِيَةُ آدَمَ وحَوَّاءَ حِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُمَا
إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى
فَأَخَذَا مَا لَا حَاجَةَ بِهِمَا إِلَيْهِ فَدَخَلَ ذَلِكَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَطْلُبُ ابْنُ
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٥١٠. (والجبانة: الصحراء لأن صلاة العيد تصلى فيها).
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٤٩٤.